(فصل: من بديع لغة التنزيل)
قال السامرائي:
سورة «النحل»
1 -وقال تعالى: (وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [الآية 7] .
بِشِقِّ الْأَنْفُسِ أكثر القرّاء على كسر الشين ومعناه: إلا بجهد الأنفس.
وقرأ أبو جعفر وجماعة: إلّا بشقّ الأنفس.
وكأن الشّق وهو المشقّة، بكسر الشين، اسم استحدث من المصدر، وهو الشّقّ «بفتح الشين» .
2 -وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً [الآية 13] .
قوله تعالى: (وَما ذَرَأَ أي: ما خلق لكم في الأرض، من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك. أقول: بين المهموز والمضاعف والناقص المعتلّ، وشائج في المعنى، وهذا الفعل يذكّرنا بالمواد ذرّ وما يتأتّى من الذّرية، والذراري وغير ذلك. كما يذكّرنا بالذّرى والذري ونحوه، وما يراد بذلك من الزيادة والانتشار.
3 -وقال تعالى: (وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ [الآية 14] .
كنا قد بسطنا القول في الآية 22 من سورة يونس، وعرضنا لمسألة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
ونريد في هذه الآية أن نعرض لمسألة الفلك، وأنها جمع بدلالة الصفة «مواخر» ولكننا نجد أن «الفلك» قد جاء دالّا على الإفراد في سورة الشعراء بدلالة الصفة أيضا:
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) .
وجاء الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ في الآية:
41 من سورة يس، كما جاء في الآية 140 من سورة الصافات.
وهذا نظير «السحاب» فهو تارة جمع بدلالة الصفة «الثقال» ، كما بيّنا في الآية 12 من سورة الرعد، وهو أخرى مفرد بدلالة الصفة «مسخّر» ، كما في الآية: 164 من سورة البقرة.
وهذا كله شيء من خصائص لغة القرآن، التي ترسم لنا صفحات من تاريخ هذه اللغة.
4 -وقال تعالى: (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [الآية 15] .
والمعنى: كراهة أن تميد بكم وتضطرب.
وحذف المصدر المنصوب، المبيّن للعلّة ضرب من الإيجاز البليغ، وهو ظاهر في المعنى.
5 -وقال تعالى: (وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ [الآية 27] .
والمعنى: الذين كنتم تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم. وقرئ: تشاقّونّ، بكسر النون، بمعنى تشاقونني.
وكنت عرضت للاية: مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[الأنفال: 13] .
وأشرت إلى أن فكّ الإدغام غير كثير، والكثير في هذا المضاعف هو الإدغام، إلا أن فكّه في الآية كان بسبب صوتي.