[من روائع الأبحاث]
قال الخطيب الإسكافي:
سورة النحل
الآية الأولى منها
قوله تعالى: {يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} .
للسائل أن يسأل عن توحيد «الآية» أولا وآخرا وعن جمعها في المتوسطة، ولم كان ذلك الاختيار وفي كل ذلك آيات كثيرة، ولم عبر عنها بآية واحدة لدلالتها بمجموعها على واحد؟
الجواب أن يقال: إنما وحد في الأول لأن جميع ما أخبر عنه أنه خلقه إنما هو في جنس من صنعه، ونوع من خلقه، وهو كل ما نجم من الأرض مما فيه قوت الخلق، والذي ذكر فيه الآيات الليل والنهار وهو إظلام الجو لغروب الشمس إلى طلوع الفجر، وبدو الضياء مقدمة طلوع الشمس إلى غروبها، والشمس والقمر النيّران اللذان في كل واحد منهما آيات كثيرة، ثم النجوم السيارة، وغيرها على ما جعل الله تعالى لكل واحد منها من مسير في فلك، ثم ما أجرى العادة به من إحداث ريح أو مطر عند انتهاء أحدها إلى بعض المجاري، فكان ذكر الآيات هنا أولى، وذكر الآية في الأولى أحق لأن الأولى فيما يطلع من الأرض بالماء، وكأنه جمع وجميعها شيء واحد والثانية بخلافها، ولذلك اختلفا. وأما الثالثة: فهي {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} المعنى والله أعلم: جميع جواهر الأرض كالذهب والفضة والحديد وغيرها من الفكر، والتنبيه على ما جعل فيها من المنافع للخلائق، وهي كلها كالشيء الواحد في أنها عروق جارية مختلفة في