{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ}
أي: إلا خلقاً متلبساً بالحق والحكمة الثابتة، التي لا تقبل التغير. وهي الاستدلال بها على الصانع وصفاته وأسمائه وأفعاله ليعرفوه فيعبدوه، بحيث لا يلائم استمرار الفساد. ولذلك اقتضت الحكمة إرسال الرسل مبشرين ومنذرين: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ} أي: فيجزي كلاً بما كانوا يعملون: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} أي: عاملهم معاملة الصفوح الحكيم، كقوله: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 89] .
وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة. فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء، العليم بما تمزَّق من الأجساد وتفرَّق في سائر أقطار الأرض، كقوله تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس: 81] .
{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} قال الرازي: إنه تعالى لما صبَّره على أذى قومه وأمره بأن يصفح الصفح الجميل؛ أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خصه بها؛ لأن الإنسان إذا تذكر نعم الله عليه، سهل عليه الصفح والتجاوز.
(والسبع المثاني) هو القرآن كله كما قاله ابن العباس في رواية طاوس؛ لقوله تعالى: {كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ} [الزمر: 23] ، والواو في قوله: {وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} لعطف الصفة، كقول الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم