[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال القاضي عياض:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)
اتَّفَقَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي هَذَا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ بِمُدَّةِ حَيَاةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ، وَأَصْلُهُ ضَمُّ الْعَيْنِ مِنَ الْعُمُرِ وَلَكِنَّهَا فُتِحَتْ لِكَثْرَةِ الاسْتِعْمَالِ، وَمَعْنَاهُ: وَبَقَائُكَ يَا مُحَمَّدُ، وَقِيلَ وعيشك، وقيل: وحياتك، وَهَذِهِ نِهَايَةُ التَّعْظِيمِ وَغَايَةُ الْبِّرِ وَالتَّشْرِيفِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا ذَرَأَ وَمَا بَرَأَ نَفْسًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَا سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ: مَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَنَّهُ أَكْرَمُ الْبَرِيَّةِ عِنْدَهُ.
وَمِمَّا ذُكِرَ مِنْ خَصَائِصِهِ وَبِرِّ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ بِأَسْمَائِهمْ، فَقَالَ: يَا آدَمُ يَا نُوحُ يَا إبْرَاهِيمُ يَا مُوسَى يَا دَاوُدُ يَا عِيسَى يَا زَكَرِيِّا يَا يَحْيَى، وَلَمْ يُخَاطَبْ هُوَ إلا ب-: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل، يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. انتهى انتهى {الشفا، للقاضي عياض} ...