قوله - عَزَّ وَجَلَّ: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) .
قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يحتمل أن الحروف المقطعة كناية عن كتابه وآياته، أو آياته؛ أنه جمعها على ما توجبه الحكمة؛ فجعلها كتابًا أو آيات كتاب يتلى، أو يكون كناية عن الإنباء والإخبار عن الأمم السالفة؛ التي لم يشهدها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، تلك الأنباء والأخبار التي جعلناها كتابًا أو آيات؛ ليعلموا أن هذا الكتاب إنما نزل من السماء، وأنه إنما علم بالوحي من اللَّه، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
(وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) .
قال: بيَّن فيه ما يؤتى، وما يتقى. أو (مُبِينٍ) : يبين بين الحقّ والباطل. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ(2)
قال عامة أهل التأويل: إنما يودون الإسلام والتوحيد، بعد ما عذب بالنار قومًا من أهل التوحيد بذنوبهم، ثم أخرجوا منها بالشفاعة أو بالرحمة، فعند ذلك يتمنى أهل الشرك؛ ويودون الإسلام والتوحيد؛ لكن هذا بعيد ألا يتمنوا إلا في النار بعد ما أخرج أُولَئِكَ وقد أصيبوا الشدائد والبلايا؛ من قبل أن يأتوا النار، قال اللَّه تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) الآية، أخبر أنه يتمنى عند حلول الموت - الإسلام؛ حيث طلب الرجوع إلى الدنيا، دل أنهم يودون الإسلام؛ قبل الوقت الذي ذكروا، أو يتمنون الإسلام إذا حوسبوا، أو إذا بعث أهل الجنة إلى الجنة وبعثوا هم، إلى النار، يتمنون الإسلام قبل ذلك بمواضع، وربما يتمنى الآحاد من الكفرة، ويودون لو كانوا مسلمين في أحوال؛ وأوقات؛ يظهر لهم الحق، وقد بانَ لهم الحق؛ لكن الذي يمنعهم عن الإسلام - فوت شيء من الدنيا، وذهاب شيء قد طمعوا فيه.