وقال ابن خالويه:
ومن سورة الحجر
قوله تعالى: (رُبَما يَوَدُّ) . يقرأ بتخفيف الباء وتشديدها. فالحجّة لمن خفّف:
أنّ الأصل عنده في التشديد باءان، أدغمت إحداهما في الأخرى، فأسقط واحدة تخفيفا.
والحجة لمن شدّد: أنه أتى بلفظها على الأصل، وهو الاختيار قال الشاعر:
يا ربّ سار بات لن يوسّدا ... تحت ذراع العنس أو كفّ اليدا
اختلف النحويون في نصب «اليد» هاهنا فقال قوم: موضعها خفض، ولكن الشاعر أتى بها على الأصل. وأصلها يدي، ثم قلب من الياء ألفا فقال «اليدا» كما قالوا: «الرّحا» و «العصا» ). والعرب تقلب الألف عند الضرورة ياء. ذكر ذلك (سيبويه) وأنشد:
* قواطنا مكّة من ورق الحمى *
أراد الحمام فأسقط الميم الأخيرة، ثم قلب الألف ياء، فلمّا قلبوا هاهنا من الألف ياء قلبوا هناك الياء ألفا.
وقال (الأصمعي) : معنى كفّ هاهنا: قبض. وهو فعل ماض (واليد) منصوبة بتعدّي الفعل إليها.
فإن قيل: (ربّ) موضوعة للتقليل، كما وضعت (كم) للتكثير، فما وجه الإتيان بها هاهنا؟ فقل: إنّ العرب استعملت إحداهما في موضع الأخرى. ومنه قولهم: إذا أنكروا
النّونات لم يحذفها، وإنما الحذف في المدغمات كقوله تعالى: (تَأْمُرُونِّي وأَ تُحاجُّونِّي) .
والحجة لمن فتح النون وخففها: أنه أراد: نون الإعراب الدّالّة على الرفع ولم نضفها إلى نفسه.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْنَطُ) . يقرأ بفتح النون وكسرها. فالحجّة لمن فتح النون: أن بنية الماضي عنده بكسرها كقولك: علم يعلم. والحجة لمن كسر النون: أن بنية الماضي عنده بفتحها كقولك: ضرب يضرب. وهذا قياس مطّرد في الأفعال.
والاختيار فيه هاهنا كسر النون لإجماعهم على الفتح في ماضيه عند قوله تعالى:
مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا).
قوله تعالى: (إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ) . يقرأ بالتشديد والتخفيف، وقد تقدّم القول في علته آنفا).
وأصله: لمنجووهم بكسر الجيم وواوين بعدها. الأولى: لام الفعل، والثانية: واو الجمع، فانقلبت الأولى ياء لانكسار ما قبلها، كما انقلبت في (نجا) ألفا لانفتاح ما قبلها، فصار لمنجيوهم، فاستثقلت الضمّة على الياء، فحذفت عنها، فبقيت ساكنة، والواو ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضمّت الجيم لمجاورة الواو.