وَقَالَ ابْنُ فَضَّالٍ المُجَاشِعِي:
وَمِنْ سُورَةِ (الْحِجْرِ)
قوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ(1)
جر (قرآن) لأنه معطوف على (الكتاب) تقديره: تلك آيات الكتاب: آيات قرآن مبين.
وأجاز الفراء الرفع على تقدير: وهو قرآن مبين، أو يكون معطوفاً على آيات، وأجاز النصب على المدح
وأنشد:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ... وليثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ
وذا الرأي حِينَ تُغَمُّ الأمورُ ... بِذاتِ الصليلِ وَذات اللجم
وزعم أن المدح تنصب نكرته ومعرفته، أما قوله (معرفته) فصحيح، وأما (نكرته) فإن أصحابنا
لا يجيزون ذلك. لأنه لا يمدح الشيء الذي لا يعرف. وإنما يمدح ما يعرف، والنكرة مجهولة فلذلك امتنع.
قوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)
يقال (رُبَّ) بالتشديد، و (رُبَ) بالتخفيف، قال أبو كبير:
أَزُهَيرُ إِنْ يَشِبِ القَذالُ فإِنَّني ... رُبْ هَيْضَلٍ لَجِبٍ لفَفْت بِهَيْضَلِ
زعم بعضهم أنها لغة، وليست بلغة عندنا. وإنما اضطر الشاعر فخففها، والدليل على ذلك: أن كل
ما كان من الحروف على حرفين فإنه ساكن الثاني نحو: هل ومِنْ وقد وما أشبه ذلك، ويقال: رُبَّمَا ورُبمَا
ورُبَّتَما ورُبَتَما، و (التاء) لتأنيث الكلمة، و (ما) كافة وهي تبع للتخفيف عوض من التضعيف،
وحكى أبو حاتم هذه الوجوه كلها بفتح الراء لغة.
(فصل)
ومما يسأل عنه هاهنا أن يقال: لم جاء (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، وربَّ للتقليل؟
وعن هذا جوابان:
أحدهما: لأنه أبلغ في التهديد، كما تقول: ربما ندمت على هذا، وأنت تعلم أنه يندم ندماً طويلا، أي
يكفيك قليل الندم فكيف كثيره.
والثاني: أنه يشغلهم العذاب عن تمني ذلك إلا في أوقات قليلة.
وقرأ ابن نافع وعاصم (رُبَمَا) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد على الأصل.
وساغ التخفيف هاهنا وإن لم يكن من الضرورات؛ لأنَّها لما وصلت بـ (ما) كثرت وثقلت فخففت.
قوله تعالى: (قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ(71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)