وقال المؤيد بالله:
(رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ(2)
فأورده على جهة التقليل، وأخرجه مخرج الشك، والغرض به التكثير والتحقيق في حالهم تلك، لأنهم في تلك الحالة يتحققون ويقطعون بأنهم لو كانوا على الإسلام قطعا ويقينا لما ينالون من العذاب ويتحققونه من النكال، ولا خلاص عن ذلك إلا بالإسلام، فلهذا قطعنا بتحقق المحبة والود للإسلام، وإنما أخرجه مخرج التهكم والاستهزاء.
(وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ(4)
لا يقال: فإن الواو قد جاءت ثابتة في قوله تعالى: (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ(4)
وجاءت محذوفة في مثل قوله تعالى: (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ(208) [سورة الشعراء: 208]
فهل من تفرقة بين إثباتها وحذفها، وما ضابط الحذف والإثبات فيما هذا حاله، لأنا نقول: أما التفرقة فهي ظاهرة: فإن الواو إذا كانت محذوفة فهي في حكم التكملة والتتمة لما قبلها، تنزل منزلة الجزء منها كما أوضحناه، وإذا كانت الواو موجودة كانت في حكم الاستقلال بنفسها، فعلى هذا تقول:
ما جاءني زيد إلا وهو ضاحك وما لقيته إلا وهو راكب، فتثبت الواو وتحذفها على التنزيل الذي ذكرناه، وما هذا حاله فهو تفريغ في الصفات في الاستثناء كما ورد في الآيتين جميعا بالواو وحذفها على الجواز فيهما، وأما الضابط لدخولها في الصحة والامتناع فنقول: كل اسم نكرة جاء قبل «إلا» فإنك تنظر إلى العامل في تلك النكرة، فإن كان ناقصا فإنه يمنع الإتيان بالواو، وهذا كقولك ما أظن درهما إلا هو كافيك، ولا يجوز بالواو فلا تقول: إن رجلا وهو قائم لما كان العامل الأول يفتقر إلى تمام؛ لأن الظن يفتقر إلى مفعولين ويحتاج إلى خبر فلهذا استحال وجود الواو ههنا لما قررناه، وإن كان العامل في النكرة تاما، فإنه يجوز الإتيان بالواو وتركها، وعلى هذا تقول: ما جاءني رجل إلا وهو ضاحك بإثبات الواو وحذفها كما أشرنا إليه.
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(26)
مما ورد من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه في الإشارة إلى كيفية خلق آدم: