ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
قَوْله تَعَالَى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : الْقُرْآن هُوَ الْكتاب، وَالْكتاب هُوَ الْقُرْآن، فأيش فَائِدَة الْجمع بَينهمَا؟
الْجَواب: أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُفِيد معنى لَا يفِيدهُ الآخر، فَإِن الْكتاب هُوَ مَا يكْتب، وَالْقُرْآن هُوَ مَا يجمع بعضه إِلَى بعض، وَقيل: إِن المُرَاد من الْكتاب هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَالْقُرْآن هُوَ الَّذِي أنزلهُ الله تَعَالَى على مُحَمَّد.
قَوْله تَعَالَى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : إِذا كَانَت رُبمَا للتقليل، فَكيف يقل تمنيهم هَذَا، وَنحن نعلم حَقِيقَة أَن كلهم يتمنون هَذَا، وَأَن هَذَا التَّمَنِّي مِنْهُم يكثر؟
وَالْجَوَاب: أَن الْعَرَب قد تذكر هَذَا اللَّفْظ وتريد بِهِ التكثير، يَقُول الْقَائِل لغيره: رُبمَا تندم على هَذَا الْفِعْل، وَهُوَ يعلم أَنه يكثر مِنْهُ النَّدَم عَلَيْهِ، وَيكون الْمَعْنى: إِنَّك لَو نَدِمت قَلِيلا لَكَانَ الْقَلِيل من الندامة يَكْفِيك للاجتناب عَنهُ، فَكيف الْكثير؟!.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن شغلهمْ بِالْعَذَابِ لَا يفرغهم للندامة، وَفِي بعض الآحايين رُبمَا يَقع لَهُم هَذَا النَّدَم، ويخطر ببالهم.
قَوله: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : نَحن لَا نرى نَارا، وَإِنَّمَا نرى نورا أَو نجما ينْقض.
وَالْجَوَاب: أَنه يحْتَمل أَنه ينْقض نورا، فَإِذا وصل إِلَيْهِ صَار نَارا، أَو يحْتَمل أَنه يرى من بعد الْمَكَان أَنه نجم وَهُوَ نَار، وَقيل: إِن النَّجْم ينْقض فَيَرْمِي الشَّيْطَان ثمَّ يعود إِلَى مَكَانَهُ. وَاعْلَم أَن هَذَا لم يكن ظَاهرا فِي زمن الْأَنْبِيَاء قبل الرَّسُول، وَلم يذكرهُ شَاعِر من الْعَرَب قبل زمَان النَّبِي، وَإِنَّمَا رُوِيَ هَذَا فِي ابْتِدَاء أَمر النَّبِي، وَكَانَ ذَلِك أساسا لنبوته، وَإِنَّمَا ذكر الشُّعَرَاء ذَلِك فِي زَمَانه، قَالَ الشَّاعِر:
(كَأَنَّهُ كَوْكَب فِي إِثْر عفرية ... مُسَوَّم فِي سَواد اللَّيْل منقضب)
قَوله: {وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : قد قَالَ: {وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} و (مَنْ) إِنَّمَا تقال فِيمَن يعقل لَا فِيمَن لَا يعقل؟