الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَ} اذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا}
يَعْنِي الْحَرَمَ، بَلَدًا آمِنًا أَهْلُهُ وَسُكَّانُهُ
{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}
يُقَالُ مِنْهُ: جَنَبْتُهُ الشَّرَّ فَأَنَا أَجْنُبُهُ جَنْبًا وَجَنَّبْتُهُ الشَّرَّ، فَأَنَا أُجَنِّبُهُ تَجْنِيبًا، وَأَجْنَبْتُهُ ذَلِكَ فَأَنَا أُجْنِبُهُ إِجْنَابًا، وَمِنْ «جَنَبْتُ» قَوْلَ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
وَتَنْفُضُ مَهْدَهُ شَفَقًا عَلَيْهِ ... وَتَجْنُبُهُ قَلَائِصَنَا الصِّعَابَا
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَبْعِدْنِي وَبَنِيَّ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَالْأَصْنَامُ: جَمْعُ صَنَمٍ، وَالصَّنَمُ: هُوَ التِّمْثَالُ الْمُصَوَّرُ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ فِي صِفَةِ امْرَأَةٍ:
[البحر الرجز]
وَهْنَانَةٌ كَالزُّونِ يُجْلَى صَنَمُهْ ... تَضْحَكُ عَنْ أَشْنَبَ عَذْبٍ مَلْثَمُهْ
وَكَذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:"فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ دَعْوَتَهُ فِي وَلَدِهِ، قَالَ: فَلَمْ يَعْبُدْ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ صَنَمًا بَعْدَ دَعْوَتِهِ."
وَالصَّنَمُ: التِّمْثَالُ الْمُصَوَّرُ، مَا لَمْ يَكُنْ صَنَمًا فَهُوَ وَثَنٌ قَالَ: وَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَجَعَلَ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا، وَرَزَقَ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ، وَجَعَلَهُ إِمَامًا، وَجَعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتَقَبَّلَ دُعَاءَهُ، فَأَرَاهُ مَنَاسِكَهُ، وَتَابَ عَلَيْهِ""
عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ يَقُصُّ، وَيَقُولُ فِي قَصَصِهِ:"مَنْ يَأْمَنُ مِنَ الْبَلَاءِ بَعْدَ خَلِيلِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ، حِينَ يَقُولُ: رَبِّ {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} "
وَقَوْلُهُ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ}
يَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ الْأَصْنَامَ أَضْلَلْنَ: يَقُولُ: أَزَلَّنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى وَسَبِيلِ الْحَقِّ حَتَّى عَبْدُوهُنَّ، وَكَفَرُوا بِكَ.
وَقَوْلُهُ: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}