وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ(13)
الإخراج يحتمل وجوهًا ثلاثة:
أحدها: على حقيقة الإخراج من البلد إلى غيره من البلدان والأرضين.
ويحتمل الإخراج: الحبس (لَنُخْرِجَنَّكُمْ) ؛ أي: لنحبسنكم عن الانتفاع بالبلد، وبأهله وبما فيه، ويحتمل الإخراج: القتل؛ أي: نقتلنكم؛ وقد كان أهل الكفر يوعدون ويخوفون الرسل وأتباعهم بهذه الثلاثة؛ كقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ) الآية ونحوه.
ثم في وعيدهم الذي أوعدوا الرسل وجوهًا ثلاثة حيث تجاسروا إقبال الرسل بمثل هذا الوعيد ومع الرسل آيات وحجج:
أحدها: أنهم رأوا أنفسهم مسلّطين على أُولَئِكَ؛ قاهرين عليهم، وكانوا أهل كبر وتجبر؛ ألا ترى أنه قال: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) ، دل هذا أنهم كانوا رأوا أنفسهم - كما ذكرنا - أهل تسليط وتجبر.
والثاني: قالوا ذلك لهم؛ لما لم يكن عندهم ما يدفعون حجج الرسل وبراهينهم؛ فهمُّوا قتلهم وإخراجهم؛ لعجزهم عن دفع ما ألزمهم الرسل، وهكذا الأمر المتعارف بين الخلق: أن الخصم لا يقصد إهلاك خصمه؛ ما دام له الوصول إلى الحجاج؛ فإذا عجز عن ذلك فعند ذلك يهم بقتله ويقصد إهلاكه.
والثالث: جواب الرسل إياهم عند القول إليه بالقول الذي ليس فوقه أحسن منه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) .
الملة: الدِّين؛ كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:"لا يتوارث أهل الملتين"وقوله تعالى: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) أي: دين إبراهيم.
وقوله: (لَتَعُودُنَّ) ليس أنهم كانوا فيها وتركوها؛ ولكن على ابتداء الدخول فيها على ما ذكرنا.