ومن لطائف ونكات حاشية الصاوي على الجلالين:
سورة إبراهيم
{وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} أي محمداً أو غيره فظاهر.
«إن قلت» : إن كان المراد بقومه الذين نشأ فيهم، وإن كان المراد الذين أرسل لهم، فرسول الله أرسل لكافة الخلق، مع أنه لم يظهر منه إلا اللسان العربي، وهو لسان بعض قومه؟
أجيب: بأن الله علمه جميع اللغات، فكان يخاطب كل قوم بلغتهم، وإن لم يثبت أنه تكلم باللغة التركية، لأنه لم يتفق أنه خاطب أحداً من أهلها، ولو خاطبه لكلمه بها.
قوله: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ} استئناف مفصل لقوله: {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} {وَهُوَ الْعَزِيزُ} أي الغالب على أمره وهو كالعلة لقوله: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ} الخ قوله: {الْحَكِيمُ} أي الذي يضع الشيء في محله.
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ}
قوله: {هَذَا الْبَلَدَ}
قال الأشياخ: حكمة تعريف البلد هنا، وتنكيرها في البقرة، أن إبراهيم تكرر منه الدعاء، فما في البقرة كان قبل بنائها، فطلب من الله أن تجعل بلداً، وأن تكون آمناً، وما هنا بعد بنائها، فطلب من الله أن تكون آمنا.
قوله: (لا يسفك فيه دم إنسان) أي لا يتمكن منه جبار، بقصد إهانة البيت وأهله، وما وقع من الحجاج، في مقاتلته لابن الزبير، وهدمه للبيت، إنما كان بقصد التعظيم للبيت، بسبب دعواه أن ابن الزبير كان مخطئاً في بنائه البيت على قواعد إبراهيم، وقوله: (لا يسفك فيه دم إنسان) أي ولو قصاصاً، وهو مذهب أبي حنيفة، وإنما يضيق عليه ليخرج، فإذا خرج اقتص منه.
قوله: (ولا يظلم فيه أحد) أي ومن تجرأ وظلم فيه، فقد تعرض لعذاب الله، قال تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] .
قوله: (ولا يصاد صيده) أي يحرم صيد البر في الحرم، على كل شخص محرماً أو غيره.
قوله: (ولا يختلي خلاه) أي لا يقطع حشيشه النابت بنفسه، واستثنى العلماء من ذلك الاذخر والسنا والسواك والعصا وقطع الشجر للبناء محله، لأنه ينبغي توسعته.