{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) }
ويقال"هَزَأ بفلان"أي: سخر منه، أما"اسْتُهزِئ بفلان"أي: طُلِب من الغير أنْ يهزأ بشخص معين، وهذا عليه إثمه وإثم مَنْ أوعز له بالسخرية من هذا الشخص.
وقول الحق سبحانه: {وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ... } [الرعد: 32]
أي: لستَ بِدعاً يا محمد في أن يقف بعض الكافرين منك هذا الموقف. والمثَلُ هو الحَكَم بين أبي العاص أبو مروان الذي كان يُقلِّد مشية النبي صلى الله عليه وسلم؛ وكان رسول الله يمشي كأنما يتحدَّر من صبب؛ وكان بصره دائماً في الأرض.
"ولم يكن الناس مُعْتادين على تلك المِشْية الخاشعة؛ فقد كانوا يسيرون بغرور مستعرضين مناكبهم."
وحين قَلَّد الحَكَمُ رسول الله رآه صلى الله عليه وسلم بنور البصيرة، فقال له صلى الله عليه وسلم:"كُنْ على هذا"، فصارت مِشْيته عاهة، بينما كانت مِشْية رسول الله تطامناً إلى ربه، وتواضعاً منه صلى الله عليه وسلم.
ونفَى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحَكَم إلى الطائف؛ وراح يَرْعى الغنم هناك، ولم يَعْفُ النبي صلى الله عليه وسلم عنه؛ وكذلك أبو بكر في خلافته؛ ولا عمر بن الخطاب؛ ولكن الذي عفا عنه هو عثمان بن عفان، وكان قريباً له.
وشهد عثمان بن عفان وقال:"والله لقد استأذنتُ رسول الله فيه فقال لي: إن استطعت أن تعفوَ عنه فَاعْفُ، وحين وَلِيتُ أمرَ المسلمين عَفَوْتُ عنه".
وحدث من بعد ذلك أن تولَّى عبد الملك بن مروان أمر المسلمين؛ وكان لابنه الوليد خَيْل تتنافس مع خيل أولاد يزيد بن معاوية؛ واحتال أولاد يزيد بالغش، ووضعوا ما يُعرقِل خَيْل الوليد.