[لطيفة]
قال فِي ملاك التأويل:
قوله تعالى: (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) (الرعد: 32) ، وفي سورة الحج: (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) (الحج: 44) للسائل أن يسأل عن وجه تعقيب الأولى بقوله: (فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) والثانية بقوله: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) مع تساوي الآيتين (في) مقصود الوعيد لمكذبي الرسل، عليهم السلام؟
والجواب، والله أعلم: أن العقاب أشد موقعاً من النكيير لأن الإنكار يقع على ما لا عقاب فيه بالفعل وعلى ما فيه العقاب بالفعل، وأما مسمى العقاب فإنما يراد به في الغالب
أخذ بعذاب مناسب لحال المجرم إثر معصيته وعقيب جريمته، وقد تقدم في آية الرعد قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) (الرعد: 32) ، والاستهزاء (أمر) مرتكب زائد على التكذيب من التهاون، والاستخفاف بجريمة مرتكبة أشنع جريمة، فناسبها الإفصاح بالعقاب. أما آية الحج فإن الوعيد (بها) للمذكورين بالتكذيب ولم يذكر منهم استهزاء، قال تعالى: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى) (الحج: 42 - 44) ، فلم يخبر عن هؤلاء بغير التكذيب ليس كالاستهزاء، فقد يؤمن المكذب ويصلح حاله، أما المستهزئ فلا يصلح، وقد كفى الله نبيه إياهم، قال تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (الحجر: 95) ، فناسب النظم تعقيب كل آية بما يناسب مرتكب من قدم، ولم يكن عكس الوارد ليناسب، والله أعلم. انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 281 - 282}