قوله - جلَّ جلالُه: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ...(19) .
أخبر - جلَّ جلالُه - أن الذكرى إنما هي لأولي الألباب، واللب: صفة في العقل يوصف به إذا تم
إيمانه، وفكر بعقل سليم ونظر صائب فاستخرج بواطن المعاني وخفاياها، وعبر
بمفهوم الشواهد إلى غيوبها؛ وصابر النفس على مكروهها ولم يرضَ بالمقارنة في
العلم دون التحقيق فيه والعمل به، وصعد إلى ذروتها.
ثم جعل ينسق صفاتهم ليهتدى بهم ويقتفى بآثارهم بقوله الحق: (الَّذِينَ
يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ... (21)
أدنى ذلك أن يصل الإيمان بالإيمان في اللَّه بأسمائه وصفاته
وأفعاله كلها، وإنه ليس شيء إلا أمر بالإيمان به، وبملائكته أجمعين، وبرسله وكتبه،
لا نفرق بين أحد منهم، وبأمره ونهيه ووعده ووعيده.
ثم قال جل ذكره: (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) هو
أن يعدد ذنوب العبد دون تجاوز ولا مغفرة، نسأل الله العفو جميل عفوه وحسن
تجاوزه، فإنه من نوقش الحساب غذِّب، هذه صفة لأوليائه إلى قوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ(22) .
ثم أخذ في وصف الأباعدة (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ)
والعهد: هو العهد المأخوذ علينا بالتزام العبودية [للربوبية] ، والإيمان بالرسل والنبيين ونصرهم، وقد تقدم ذكره في سورة آل عمران وسورة الأعراف.
ثم قال:(وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ
اللَّعْنَةُ)على ما يضاد الولاية (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) لا يضاد إكرامه
أوليائه، بشَّر أوليائه - على جميعهم السلام - بعقبى الدار، وهي عاقبة هذه الدار
حال المكث في دار البرزخ، ثم العاقبة في الدار الآخرة جزاء لما قاسوه في هذه
الدار صبرًا على وحشة الوحدة، وقلة الماعدة على ما هم عليه، وامتحانًا يعلو