{إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} أي: من العافية والنعمة: {حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} أي: من الأعمال الصالحة أو ملكاتها ، التي هي فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى أضدادها: {وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً} أي: لسوء اختيارهم واستحقاقهم لذلك: {فَلاَ مَرَدَّ لَهُ} أي: فلا رد لقضائه فيهم: {وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} أي: يلي أمرهم فيدفع عنهم السوء الذي أراده الله بهم بما قدمت أيديهم من تغيير ما بهم . وفيه دلالة على أن تخلف مراده تعالى محال . وإيذان بأنهم بما باشروه من إنكار البعث واستعجال السيئة واقتراح الآية قد غيروا ما بأنفسهم من الفطرة ، واستحقوا لذلك حلول غضب الله تعالى وعذابه - أفاده أبو السعود - .
تنبيه:
في هذه الآية وعيد شديد وإنذار رهيب قاطع ، بأنه إذا انحرف الآخذون بالدين والمنتمون إليه عن جادته المستقيمة ، ومالوا مع الأهواء ، وتركوا التمسك بآدابه وسنته القويمة ؛ حل بهم ما ينقلهم إلى المحن والبلايا ، ويفرق كلمتهم ، ويوهي قوتهم ، ويسلط عدوهم ! .
وفي حديث قدسي عند ابن أبي حاتم: ( ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله ، فيتحولون منها إلى معصية الله ، إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون ) .
ولابن أبي شيبة: ( ما من قربة ولا أهل بيت ، كانوا على ما كرهت من معصيتي ، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي ، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي ، إلى ما يحبون من رحمتي ) .
وقال القاشاني: لا بد في تغيير النعم إلى النقم ، من استحقاق جلي أو خفي .
وعن بعض السلف: إن الفأرة مزَّقت خُفْي ، وما أعلم ذلك إلا بذنب أحدثته ، وإلا ما سلطها الله عليَّ ! وتمثل بقول الشاعر:
*لو كنت من مازن لم تستبح إبلي*