[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي التفسير الموضوعي للسورة كاملة)
قال الشيخ محمد الغزالي:
في الآية الأولى من سورة الرعد يخاطب الله نبيه قائلا:"والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"! هل هناك عذر للكثرة التي أعرضت عن الحق ورفضت الانقياد إليه؟ لا. فلنفرض أن وحيا لم ينزل، أليس فِي إبداع هذا العالم ما يشهد لصاحبه بالألوهية والعظمة؟ إن النظر السديد فِي آفاق السماوات والأرض شاهد صدق على أن جحد الألوهية غباء، وعلى أن الأصفار التي اعتبرت شركاء خرافة مزدراة ... ! ونترك قليلا الآيات التي وصفت الكون وكشفت آيات الله فيه، ونتابع التأمل فِي هذه الآية"والذي أنزل إليك من ربك الحق"فنرى صلة لها بآية أخرى من قلب السورة"أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى"إن هؤلاء العالمين بحقائق الوحي هم الفضلاء الذين استقامت سيرتهم بعدما استنارت سريرتهم، وقد أحصت الآيات - بعد ذلك - صفاتهم بدءا من قوله تعالى:"إنما يتذكر أولو الألباب * الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل"وقد تضمنت الآيات هنا عشر وصايا، من استجمعها كان أهلا للجزاء الأوفى"أولئك لهم عقبى الدار * جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم". وأولى هذه الوصايا: العقل الناضج، وثانيتها: الوفاء بالعهد الأعظم المأخوذ على الفطرة البشرية أن تتجه إلى ربها .. ولا تشرك به شيئا ... وتكرر الحديث عن الوحي النازل، وعن قيام الرسول بتبليغه فِي قوله تعالى بعد ذلك:"كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب".