(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
(موعظة)
(أَضْحَكَ سِنَّكَ بُعْدُ الأَمَلِ ... وَلَمْ يَبْكِ عَيْنُكَ قُرْبَ الأَجَلْ)
(كَأَنَّكَ لَمْ تَرَ حَيًّا يُسَاقُ ... وَلَمْ تَرَ مَيِّتًا عَلَى مُغْتَسَلْ)
قُلْ لِلَّذِينَ غَفِلُوا وَلَعِبُوا كَأَنَّهُمْ قَدْ تَعِبُوا، مَا لَهُمْ عِبْرَةٌ فِي الَّذِينَ ذَهَبُوا، أَمَا الْكَأْسُ بِيَدِ السَّاقِي وَمِنْهُ شَرِبُوا.
(سَيْرُ اللَّيَالِي إِلَى أَعْمَارِنَا خَبَبٌ ... فَمَا تَبِينُ وَلا يَعْتَاقُهَا نَصَبُ)
(كَيْفَ النَّجَاءُ وَأَيْدِيهَا مُصَمِّمَةٌ ... بِذَبْحِنَا بِمُدًى لَيْسَتْ لَهَا نُصَبُ)
(وَهَلْ يُؤَمِّلْ نَيْلَ الشَّمْلِ مُلْتَئِمًا ... سَفَرٌ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ رِحْلَةٌ عَجَبُ)
(وَمَا إِقَامَتُنَا فِي مَنْزِلٍ هَتَفَتْ ... فِيهِ بِنَا مُذْ سَكَنَّا رَبْعُهُ نُوَبُ)
(وَآذَنَتْنَا وَقَدْ تَمَّتْ عِمَارَتُهُ ... بِأَنَّهُ عَنْ قَلِيلٍ دَاثِرٍ خَرِبُ)
(أَزْرَتْ بِنَّا هَذِهِ الدُّنْيَا فَمَا أَمَلٌ ... إِلا لِرَيْبِ الْمَنَايَا عِنْدَهُ أَرِبُ)
(لَيْسَتْ سِهَامُ الْمَوْتِ طَائِشَةً ... وهل تطيش سهام كله نُصُبُ)
(وَنَحْنُ أَغْرَاضُ أَنْوَاعِ الْبَلاءِ بِهَا ... قَبْلَ الْمَمَاتِ فَمَرْمِيٌّ وَمُرْتَقَبُ)
(أَيْنَ الَّذِينَ تَنَاهَوْا فِي ابْتِنَائِهِمُ ... صَاحَتْ بِهِمْ نَائِبَاتُ الدَّهْرِ فَانْقَلَبُوا)
انْتَبِهُوا يَا نِيَامُ، افْهَمُوا هَذَا الْكَلامَ، قَدْ بَقِيَتْ لَكُمْ أَيَّامٌ، هَذَا عُودُ الْحَيَاةِ قَدْ
يَبِسَ، وَنُورُ الشَّبَابِ بِالشَّيْبِ مُنْطَمِسٌ، وَلِسَانُ الْفَرَحِ بِالتَّرَحِ قَدْ خَرِسَ، وَسَوَاءٌ فِي الْمَوْتِ الْمُهْمِلُ وَالْمُحْتَرِسُ، وَلا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ اللَّيِّنِ وَالشَّرِسِ. إِخْوَانِي: كَمْ رَأَيْتُمْ مِنْ قَبْرٍ مُنْدَرِسٍ، إِخْوَانِي: كَمْ تُلِيَ عَلَيْكُمْ زَجْرٌ وَدَرْسٌ. إِخْوَانِي: كَأَنَّكُمْ فِي كَفِّ الْمُخْتَلِسِ، إِنَّمَا هُوَ نَفَسٌ مُنْطَلِقٌ وَكَأَنْ قَدْ حُبِسَ، تُرَى مَتَى يَنْقَى هَذَا الْقَلْبُ الدَّنِسُ، إِلَى كَمْ ذَا الْمَرِيضُ كُلَّ يَوْمٍ يَنْتَكِسُ، إِنَّمَا أَنْتَ بَقِيَّةُ الرَّاحِلِينَ فَاعْتَبِرْ بِهِمْ وَقِسْ:
(نَائِبَاتٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَنُوبُ ... وَخُطُوبٌ تَأْتِي وَتَمْضِي خُطُوبُ)