(فصل: من بديع لغة التنزيل)
قال السامرائي:
سورة «الرّعد»
1 -قاله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(3) .
أقول: أراد تعالى بقوله: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أنه سبحانه خلق فيها من أنواع الثّمرات جميعها زوجين حين مدّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت.
وقيل: أريد بالزّوجين: الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير والكبير، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة.
وأمّا قوله جلّ وعلا: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ فالمراد يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلما بعد ما كان أبيض منيرا.
وقرئ: يغشّي، بالتشديد.
وظاهر الحال أن الفعل «يغشي» ينصب مفعولين وحقيقة ذلك، أنه مجاوز إلى مفعول واحد، وأما الثاني فبالخافض، وعرض له الحذف، ثم وصل.
2 -وقال تعالى: (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الآية 6] .
والمراد بقوله سبحانه: وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ عقوبات أمثالهم من المكذّبين، فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزءوا.
والمثلة: العقوبة بوزن السّمرة.
والمثلة لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة.
أقول: وهذه من موادّ القرآن التي لا نعرفها في عربية معاصرة.
3 -وقال تعالى: (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ(10) .
والمعنى: سواء عنده من استخفى، أي: طلب الخفاء في مختبأ بالليل في ظلمته، ومن يضطرب في الطرقات ظاهرا بالنهار يبصره كلّ أحد.
أقول: وليس لنا في العربية المعاصرة إلا المزيد «سرّب» ، و «تسرّب» ومعناهما شيء آخر ذو خصوصية أخرى، فيقال مثلا: سرّب خبرا، وتسرّب الخبر، وكلّه شي مولّد جديد.
4 -وقال تعالى: (وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ(12) .
و (السّحاب) في الآية يفيد الجمع بدلالة الوصف (الثّقال) .
ومن المفيد أن نعرض لكلمة «السحاب» في لغة التنزيل، لنرى تصاقب الجمع والإفراد فيها، قال تعالى: (وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [البقرة/ 164] .
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (44) [الطور] .
حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [الأعراف/ 57] .