وَقَالَ ابْنُ فَضَّالٍ المُجَاشِعِي:
وَمِنْ سُورَةِ (الرَّعْدِ)
قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)
والعَمَدُ والعُمُدُ جميعاً بمعنى. واحدها"عمود". إلا أن"عُمُداً"جمع"عمود"و"عَمَد"اسم للجمع. ومثله: أديم وأدم، وإهاب وأهب.
ويُسْأَل عن قوله تعالى (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) ؟
وعنه جوابان:
أحدهما: أنها بغير عمد ونحن نراها كذلك، وهو قول قتادة وإياس بن معاوية.
والثاني: أنها بعمد لا نراها، وهو قول ابن عباس ومجاهد.
وأنكر بعض المعتزلة هذا القول، قال: لأنه لو كان لها عمد لكانت أجساما غلاظاً. وكانت ترى والله
عز وجل إنما دل بهذا على وحدانيته من حيث لا يمكن أحد أن يقيم جسما بغير عمد إلا هو فلذلك كان هذا
التأويل خطأ.
والجواب عن هذا أنه إذا رفع السماوات بعمد وتلك العمد لا ترى، فيه أعظم قدرة، كما لو كانت بغير عمد.
وقال النابغة في العمد:
وخَيِّسِ الجِنَّ إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ ... يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعَمَدِ
قوله تعالى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا)
العَجَبُ والتَّعجب: هجوم ما لا يعرف سببه على النفس.
قرأ نافع والكسائي (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) على الاستفهام في الأول والخبر
في الثاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم بالاستفهام في الموضعين جميعا. إلا أن حمزة
وعاصما يهمزان همزتين، وقرأ ابن عامر على الخبر في الأول والاستفهام في الثاني، وعنه في ذلك
خلاف.
ومما يسأل عنه أن يقال: ما العامل في (إذا) ؟
والجواب أنَّ العامل محذوف تقديره: أإذا كنا ترابا نُبعث. ودل عليه (لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)
فإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيه"خلق"أو"جديد"؟
قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ اللام لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
فإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيها (كنا) ؟
قيل: لا يجوز. لأنها مضافة إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)