ومن لطائف ونكات أحكام القرآن لابن العربي:
(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ(43)
قَوْلُهُ: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} فِيهَا الِاكْتِفَاءُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، وَهُوَ خَيْرُ الشَّاهِدِينَ إنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنِّي الْحَقَّ فِي الدَّعْوَى وَالصِّدْقَ فِي التَّبْلِيغُ فَسَيَنْصُرُنِي، فَلَا جَرَمَ صَدَّقَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ، وَنَصَرَهُ بِالدَّلَالَاتِ، وَأَكْرَمَهُ بِالظُّهُورِ فِي الْعَوَاقِبِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} ؟
قِيلَ: هُوَ وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ فَإِنَّهُ مَقْطُوعٌ عَنْهُ فِي الْمَعْنَى. التَّقْدِيرُ: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ يَشْهَدُ لِي بِصِدْقِي؛ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ مُجَاهِدٌ: إنَّ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} ، فَلَوْ كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ هُوَ اللَّهُ لَكَانَ تَكْرَارًا مَحْضًا خَارِجًا عَنْ صِحَّةِ الْمَعْنَى وَجَزَالَةِ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ فِقد اخْتُلِفَ فِيمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ آمَنَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
الثَّانِي: أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ قُرِئَ: وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ بِخَفْضِ الْمِيمِ مِنْ"مِنْ"وَرَفْعِ الْعَيْنِ مِنْ"عُلِمَ".
وَقُرِئَ بِخَفْضِ الْمِيمِ مِنْ"مِنْ"وَبَاقِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
الرَّابِعُ: الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ.
(فائدة)
فِي تَدَبُّرِ مَا مَضَى: أَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُمْ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْيَهُودِ، كَابْنِ سَلَامٍ، وَابْنِ يَامِينَ. وَمِنْ النَّصَارَى، كَسَلْمَانَ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ، فَإِنَّ الْمَعْنَى عِنْدَهُ بِالْكِتَابِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ.