قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى}
هذا ردّ على القائلين: {لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعام: 8] أي أرسلنا رجالاً ليس فيهم امرأة ولا جِنِّيٌّ ولا مَلَك؛ وهذا يردّ ما يُروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن في النِّساء أربع نبيَّات حَوّاء وآسية وأمّ موسى ومريم".
وقد تقدّم في"آل عمران"شيء من هذا.
"مِنْ أَهْلِ الْقُرَى"يريد المدائن؛ ولم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو؛ ولأن أهل الأمصار أعقل وأحلم وأفضل وأعلم.
قال الحسن: لم يبعث الله نبيًّا من أهل البادية قطّ، ولا من النِّساء، ولا من الجنّ.
وقال قتادة:"مِنْ أَهْلِ الْقُرَى"أي من أهل الأمصار؛ لأنهم أعلم وأحلم.
وقال العلماء: مِن شرط الرسول أن يكون رجلاً آدميّا مدنِياً؛ وإنما قالوا آدميّا تحرّزاً؛ من قوله: {يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن} [الجن: 6] والله أعلم.
قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ} إلى مصارع الأمم المكذِّبة لأنبيائهم فيعتبروا.
{وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ} ابتداء وخبره.
وزعم الفرّاء أن الدار هي الآخرة؛ وأضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ، كيوم الخميس، وبارحة الأولى؛ قال الشاعر:
ولو أَقْوَتْ عليكَ دِيارُ عَبْسٍ ... عَرَفْتَ الذُّلَّ عِرْفَانَ اليَقينِ
أي عِرْفَاناً يقيناً؛ واحتج الكسائيّ بقولهم: صلاة الأولى؛ واحتجّ الأخفش بمسجد الجامع.
قال النحاس: إضافة الشيء إلى نفسه محال؛ لأنه إنما يضاف الشيء إلى غيره ليتعرّف به؛ والأجود الصلاة الأولى، ومن قال صلاة الأولى فمعناه: عند صلاة الفريضة الأولى؛ وإنما سمّيت الأولى لأنها أوّل ما صُلّي حين فُرضت الصّلاة، وأوّل ما أظهر؛ فلذلك قيل لها أيضاً الظهر.