فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 232889 من 466147

[من روائع الأبحاث]

(فصل)

قال السُّرَّمَرِّي:

وأمّا عقل يوسف عليه الصلاة والسلام, وحلْمه, وصبره على الأذى, وما لقي أوّلاً من إخوتِه, ثم آخراً لمّا وُجد الصّاع في رحل أخيه قالوا: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} [يوسف 77] , ولمّا قدموا المرّة الأولى فعرفهم وهم له منكرون, وهو حينئذ على خزائن الملْك, فلم يَهِجْهُ ما فعلوا به, ولم تحرّكه القدرة عليهم على الانتقام منهم, بل قال: {ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [يوسف 59] , ثم لمّا عَرفوه حين قال: {أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} [يوسف 90] , قالوا له: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: 91] , فقال هو: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف 92] ؛ وهذا غاية في الحِلْم, فإنه عفا عنهم من قبل أن يَسألوه العفو, وأبوهم يعقوب عليه الصلاة والسَّلامُ لمّا قالوا له: {اسْتَغْفِرْ لَنَا [ذُنُوبَنَا] } [يوسف 97] , قال: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف 98] , قلنا هذه صفات حسنة, وأخلاق جميلة, وطباع كريمة, ولمحمّد - صلى الله عليه وسلم - في ذلك عجائب لا يدرك مداها, ولا يبلغ منتهاها, من ذلك: أن اليهود سحروه وأخبره جبريل - عليه السلام - بالسّحر وبمن سحرَه ولم يعاقبه مع ما كان مستحقّاً للعقوبة مع مخالفته لدينه وغدره وخيانته لله سبحانه وتعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - , وكذلك اليهوديّة التي جعلت السُمّ في طعامه فإنه عفا عنهما ولم يعاقبهما, وهذا أعظم من عفو يوسف عليه الصلاة والسلام عن إخوته , فإنّ القرابة والرّحم قلّ أن تسمح النّفس بالعقوبة لهم, ولا سيما مع طول المُدَد وتقادُم العهد, فإن جمرة الغضب إذا طال الزمان تَطفئ, وبَوادرَ الانتقام تسكن حينئذ وتخفى، وأمّا حلم محمد - صلى الله عليه وسلم - عن قومه وما بالغوا معه في الأذى قولاً وفعلاً ولمّا مكّنه الله تعالى منهم يوم الفتح قال: «من دخل بيته فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ونحو ذلك, مع شدّة ما أسلفوه من العداوة, وما أبدوه في حقّه من الأذى, قابلهم بهذا الحلم الوافر, والإحسان العظيم, على تقارب العهد, والجرح طري ولم يندمل, حتى قالت الأنصار - رضي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت