قوله تعالى: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ}
إنما بدأ يوسف برحالهم لنفي التهمة والرّيبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه.
والوِعاء يقال بضم الواو وكسرها، لغتان؛ وهو ما يحفظ فيه المتاع ويصونه.
{ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} يعني بنيامين؛ أي استخرج السِّقاية أو الصّواع عند من يؤنث، وقال:"وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ"فذكّر؛ فلما رأى ذلك إخوته نكسوا رؤوسهم، وظنّوا الظنون كلها، وأقبلوا عليه وقالوا ويلك يا بنيامين! ما رأينا كاليوم قطُّ، ولدت أمك"راحيل"أخوين لِصّين! قال لهم أخوهم: والله ما سرقته، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي.
ويروى أنهم قالوا له: يا بنيامين! أسرقت؟ قال: لا والله؛ قالوا: فمن جعل الصُّواع في رحلك؟ قال: الذي جعل البضاعة في رحالكم.
ويقال: إن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل استغفر الله عزّ وجلّ تائباً من فعله ذلك؛ وظاهر كلام قَتَادة وغيره أن المستغفر كان يوسف؛ لأنه كان يفتشهم ويعلم أين الصّواع حتى فرغ منهم، وانتهى إلى رحل بنيامين فقال: ما أظن هذا الفتى رضي بهذا ولا أخذ شيئاً، فقال له إخوته: والله لا نبرح حتى تفتشه؛ فهو أطيب لنفسك ونفوسنا؛ ففتش فأخرج السّقاية؛ وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤَذّن سَرّقهم برأيه؛ فيقال: إن جميع ذلك كان بأمر من الله تعالى؛ ويقوّي ذلك قوله تعالى: {كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ} .
قوله تعالى: {كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ} .
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {كِدْنَا} معناه صنعنا؛ عن ابن عباس.
القُتَبِيّ: دبّرنا.
ابن الأنباري: أردنا؛ قال الشاعر:
كادتْ وكِدتُّ وتِلك خيرُ إرادةٍ ... لو عاد مِن عهد الصِّبَا ما قد مَضَى
وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحِيل إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلاً، خلافاً لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول، وخرَمت التحليل.