الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ... (67) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ لَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى مِصْرَ لِيَمْتَارُوا الطَّعَامَ: يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِصْرَ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا رِجَالًا لَهُمْ جَمَالٌ وَهَيْبَةٌ، فَخَافَ عَلَيْهِمُ الْعَيْنَ إِذَا دَخَلُوا جَمَاعَةً مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ وَهُمْ وَلَدُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَفْتَرِقُوا فِي الدُّخُولِ إِلَيْهَا.
عَنْ قَتَادَةَ: «خَشِيَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَيْنَ عَلَى بَنِيهِ، كَانُوا ذَوِي صُورَةٍ وَجَمَالٍ»
وَقَوْلُهُ: {وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ}
يَقُولُ: وَمَا أَقْدِرُ أَنْ أَدْفَعَ عَنْكُمْ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ قَضَاهُ عَلَيْكُمْ مِنْ شَيْءٍ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ، لِأَنَّ قَضَاءَهُ نَافِذٌ فِي خَلْقِهِ {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للَّهِ}
يَقُولُ: مَا الْقَضَاءُ وَالْحُكْمُ إِلَّا للَّهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، فَيَنْفُذُ فِيهِمْ حُكْمُهُ، وَيَقْضِي فِيهِمْ، وَلَا - يُرَدُّ قَضَاؤُهُ {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}
يَقُولُ: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ، فَوَثِقْتُ بِهِ فِيكُمْ، وَفِي حِفْظِكُمْ عَلَيَّ حَتَّى يَرُدَّكُمْ إِلَيَّ وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ مُعَافُونَ، لَا عَلَى دُخُولِكُمْ مِصْرَ إِذَا دَخَلْتُمُوهَا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ {وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}
يَقُولُ: وَإِلَى اللَّهِ فَلْيُفَوِّضْ أُمُورَهُمُ الْمُفَوِّضُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68) }