(فصل)
قال أبو القاسم المرتضى:
إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) ..
فقال لم خص اليوم بالقول وإنما أراد العفو عنهم في جميع مستقبل أوقاتهم .. ؟
الجواب قلنا في هذه الآية وجوه أربعة ..
أولها: إنه لما كان هذا الوقت الذي أشار إليه هو أول أوقاته التي كشف فيها نفسه لهم وأطلعهم على ما كان يستره عنهم من أمره أشار إلى الوقت الذي لو أراد الانتقام لابتدأ به فيه والذي عفى فيه عنهم لم يراجع الانتقام ..
وثانيها: أن يوسف عليه السلام لما قدم توبيخهم وعدد عليهم قبيح ما فعلوه وعظيم ما ارتكبوه وهو مع ذلك يستر عنهم نفسه ولا يفصح لهم بحاله قال لهم عند تبين أمرهم (لا تثريب عليكم اليوم) أي قد انقطع عنكم توبيخي ومضى عذلي ولائمتي عند اعترافكم بالذنب وكان ذكر اليوم دلالة على انقطاع المعاقبة والتوبيخ وعلى أن الأوقات المتصلة باليوم تجري مجراه في زوال الغضب وتمام العفو وسقوط المواقفة لهم على ما سلف منهم ..
وثالثها: إن ذكر اليوم المراد به الزمان والحين فوضع اليوم موضع الزمان كله المشتمل على الليالى والأيام والشهور والسنين كما يقول العربي لغيره قد كنت تستحسن شرب الخمر فاليوم وفقت لتركها ومقتها
يريد في هذا الزمان ولا يريد يوما واحدا بعينه ومثله:
قد كنت تقصر في الجواب عن فنون العلم ... فاليوم ما يعجزك مسأله
ولا تتوقف عن جواب بريد ... باليوم باقي الزمان كله ..
وقال امرؤ القيس:
حلت لي الخمر وكنت أمرءا ... عن شربها في شغل شاغل
فاليوم فاشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
لم يقصد يوما بعينه ..
ومثله:
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا ... واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
وقال لبيد:
وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوا بلاقع
كل ذلك لا يراد بذكر اليوم والغد فيه إلا جميع الأوقات المستقبلة ..