54 - (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) :
ولما ثبت للملك براءة يوسف بما نسبته امرأة العزيز إليه، وتحقق أنه أَمين لا يخونه بالغيب، وأَدرك صبره وجلده وإيثاره السجن على ما تدعوه إليه امرأة العزيز وصواحباتها وعرف مبالغته في حماية نفسه من قالة السوءِ، بطلبه التحقيق مع أولئك النسوة قبل خروجه من السجن ليتلقاه الملك نظيفًا محكومًا ببراءَته، بدلا من أَن يقابله قبل ذلك متهمًا عما عنه الملك لأَنه أَوَّل رؤياه لا لأَنه برئٌ - ولمَّا ثبت للملك كل ذلك - قال الملك لرجاله: أَحضروا إليَّ يوسف أَتخذه خالصًا لنفسى في تدبير أمور مملكتى وليكون صاحب مكانة خاصة عندي.
وإذا نظرت إلى أسلوب الملك في طلب إحظار يوسف إليه فإنك تراه أَولًا بعد أن علم بتأويله رؤياه قال: (ائْتونِي بِهِ) ولم يزد على ذلك، فلما ظهر إباؤه ووضحت أمانته وعفته في قصة امرأة العزيز، عظمت منزلته عنده، فطلبه ليكون ذا مكانة ممتازة لديه
خاصة به، بحيث لا يكون لأحد سلطان عليه سواه، وذلك بقوله:
{ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} . وهكذا يرفع الله درجات أهل العلم والأمانة والعفة.
{فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) } :
أي فأتَوْا بيوسف فلما كلم يوسفُ الملكَ بما يناسب لقاءَ الملوك الذين يَرُدون الحق لأهله وينصفون المظلوم، قال له الملك إنك يا يوسف عندنا ابتداءً من هذا اليوم ذو مكانة رفيعة ومنزلة ممتازة، وإنك أمين على كل شيء لدينا، بعد ما عرفناه فيك من العلم والشرف والأمانة.
وبعد أن اختار الملك يوسف مستشارًا له فيما هو مقبل عليه من أمره كله، وأعلمه بأنه عنده ذو مكانة ممتازة ابتداءً من هذا اليوم الذي يحدثه فيه، وأنه أمين عنده أمانة مطلقة ليست لها حدود، وبعد أن علم يوسف ما تحتاج إليه أرض مصر وأهلها في السنين السبع الخصيبة والسنين السبع العجاف من حسن التدبير والحزم والحفظ والعلم والأمانة وأَن ذلك كَله قد منَّ الله عليه به - بعد أن حدث كل ذلك - عرض يوسف على الملك أن يعهد إليه بإدارة البلاد وذلك ما حكاه الله بقوله: