55 - {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) } :
أي اجعلني واليا على مصادر خيرات أرض مصر، زراعة وحصادا، وإيرادا وصرفا، وبيعا وخزنا، وتدبيرا، فإني حفيظ لها من التبذير والتقتير والإفراط والتفريط، عليم بوجوه التصرف فيها والحفظ لها، وقد كان يوسف في كل ذلك أقدر من غيره.
وفى الآية دليل على جواز طلب الولاية، إذا كان طالبها قادرًا على نفع العباد وإقامة العدل بينهم وإِجراء أحكام الشريعة فيهم، والبعد عن التلوث بمظالم الحكام ومآثمهم.
وأَما ما ورد في الصحيح من النهي عن طلب الولاية فمحمول على ما إِذا كان طالبها لا يقدر على القيام بتبعاتها، والنجاة من مآثمها.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن أبي بريدة قال: قال أبو موسى: أقبلتُ إلى النبي
صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري،
فكلاهما سأل العملَ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَاكُ فقال:"ما تقول يا أبا موسى -"
أَو يا عبد الله بن قيس؟ قال قلت والذي بعثك بالحق ما أَطلعانى على ما في أنفسهما، وما شعرت أَنهما يطلبان العمل - قال - وكأَنى أَنظر إلى سواكه تحت شمته وقد قَلَصتْ (1) فقال: لَنْ أَوْ لا نَسْتَعْمِل على عملنا من أَراده"وذكر الحديث. ومن ذلك أَيضًا ما رواه مسلم من عن عبد الرحمن بن سَمرة قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا عبد الرحمن لا تسأَل الإِمارة، فإِنك إِن أعطيتها عن مسأَلة وكِلْتَ إِليها وإِن أعطِيتَهَا عن غير مسأَلة أعنت عليها).وقد استفيد من الآية أَيضًا إِباحة طلب الرجل القادر الفاضل أَن يعمل للرجل الكافر، بشرط أَن لا يكون عمله لديه وفق شهواته وفجوره، وإلا فلا يجوز.
ويستفاد منها أَيضًا أَنه لو علم إِنسان أَنه لا يقوم سواه بمصالح الناس في عدل وكفاية سواء كان ذلك في ولاية أَو قضاءٍ أَو نحوهما، وجب عليه أَن يطلب ذلك، ويخبر بصفاته التي تجعله صالحا للقيام بها، من العلم والحفظ والكفاية كما قال يوسف:
{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} :