ومما يُجْلِب به ذلك الأخرق أيضاً من شبهات تبعث على القهقهة ما قاله كذلك في هذا الفصل تحت عنوان"الكلام الغريب"من أن في القرآن كثيراً من الكلمات الغريبة مثل (أَبّ) و (غِسْلين) و (حَصْحَصَ) و (عَسْعَسَ) و (الناقور) و (مُدْهَامَّتّان) ، إذ يتشاءل قائلاً:"أبيست هذه الألفاظ الغريبة مخالفة للذوق السليم في فن الإنشاء؟" (ص 196) .
فعلاً ما كان ينبغي أن تكون في القرآن مثل هذه الألفاظ، بل كان يجب أن يجيء أسلوبه على غرار ما كانوا يعلّمونه للأطفال في بداية المرحلة الابتدائية في مصر قبل بضعة عقود من مثل":"شَرْشَرْ نَطّ يأكل فَتّ"! يالله من هذا السخف! يالله من هذه الرقاعة!"
وأبعث من ذلك على القهقهة أن تأتي هذه الملاحظة من جاهل ركيك العقل واللغة لا يستطيع أن يصون عبارته من أخطاء النحو الأولية! لقد كلّم القرآن الكريم العرب بالأسلوب الذي يفهمونه، ومن الطبيعي بعد كل تلك القرون أن تصبح بعض ألفاظه غريبة على الأجيال اللاحقة. ومع ذلك فإن مقارنة سريعة لِلُغَتِه بلغة الشعر الجاهلي تثبت في الحال أن ما فيه من ألفاظ صارت بمرور الأيام غريبة بعض الشيء ليس شيئاً بالقياس إلى ذلك الشعر.
إن هذا الجاهل لا يفقه أن اللغة في مسيرتها مع الزمن تعتريها تطورات وتغييرات كثيرة، ومع هذا فإن ألفاظ القرآن من أقل الألفاظ تعرضاً لمثل هذه التغييرات. وما أسهل، على من يعرف أسباب نزول الآيات، أن يفهم النص القرآني رغم ما فيه في كثير من الأحيان من إيجاز وتكثيف.
وإنني بدوري أسأله: لم يحتاج كتابكم المقدس كل فترة إلى أن يُتَرْجَم من جديد؟ أليس أحد الأسباب الرئيسية في ذلك أن لغة الترجمات القديمة تفقد مع السنين بعض ما كانت تتمتع به من وضوح؟ ورغم هذا فإن في ذلك الكتاب ألفاظاً لا يمكن فهمها دون الرجوع إلى المعاجم منها على سبيل المثال:"جَلَد السماء، والكِنّارة، والحُمَر، والجَوْزَل، والجُذَامة، والعُمِر، والإيفة، واليَفَاع، والشًظاظ، والعُصَافة، والظًرّان، والصًباء، والزُّوان، والعِضاه، والقُنْدُول، والقِنَّة، والسْمَنْجُونى، والحُرُض، والرُّعَل، والسًرافون، والشُّونير، والقَطَانيّ، والهّذيذ، والوَغْر، والخَراعِب، والوَنَج، والسنًنْطيؤ، والأَفُود، والأَنُوق، والزُّمَّج، والوَرَل، والحِرْذَوْن، والبَلَسان"... إلخ ... إلخ إن كان لذلك من آخر!