[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
قال ابن عبد البر:
قال عباس بن الأحنف، فيما أنشده إسحاق الموصلي له.
فلو كان لي قلبان عشت بواحدٍ ... وخلّيت قلباً في هواك يعذّب
ولكنّما أحيا بقلبٍ مروّع ... فلا العيش يصفو لي الموت يقرب
تعلمت ألوان الرّضا خوف سخطها ... وعلّمها حبّي لها كيف تغضب
ولي ألف وجهٍ قد عرفت مكانه ... ولكن بلا قلبٍ إلى أين أذهب
وللصّمّة القشيري:
لعمري لئن كنتم على النّأي والغني ... بكم مثل ما بي إنّكم لصديق
إذا زفرات الحبّ صعّدن في الحشى ... رددن ولم يفتح لهن طريق
للعباس بن الأحنف:
أرى الطّريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف
أنشدنا أبو القاسم محمد بن نصر الكاتب رحمه الله لنفسه في معنى بيت عباس هذا:
أمر نشيطاً إذا زرتكم ... وأرجع كسلان لا أنشط
وسير المطية ما كدني ... ولكن هوى لكم مفرط
وقال العباس بن الأحنف:
يقرب الشوق داراً وهي نازحةٌ ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا
وله:
مت على من غبت عنه أسفاً ... لست منهم بمصيبٍ خلفا
لن ترى قرة عين أبداً ... أو ترى نحوهم منصرفا
قلت لما شفَّني وجدي بهم ... حسبي الله لما بي وكفى
بين الدمع لمن يبصرني ... ما تضمني إذا ما ذرفا
ولمحمد اليزيدي:
أتيتك عائداً بك من ... ك لما ضاقت الحيل
وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل
فإن سلمت لكم نفسي ... فما لاقيته جلل
وإن قتل الهوى رجلاً ... فإني ذلك الرجل
كتب المهدي إلى الخيزران وهو بمكة:
نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غبتم ونحن حضور
فأجدوا المسير، بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا
فأجابته:
قد أتانا الذي وصفت من الشو ... ق فكدنا وما فعلنا نطير
ليت أنّ الرياح كن يؤدي ... ن إليكم ما قد يجنّ الضمير
لم أزل صبّةً فإن كنت بعدى ... في سرورٍ فدام ذاك السرور
قال بعض الأدباء: ما أشد جولة الرأي عند الهوى وفطام النفس عند الصبّا، لقد تصدعت كبدي للمحبّين لو العاذلين قرطة في آذانهم ونيران متأججة في أبدانهم لهم دموع غزيزةٌ على المغائي، كغروب السّواني وأنشد:
سقى الله أطلالاً لليلي وشقّقت ... عليهنّ من غرّ الغمام جيوب
فما تقشعرّ الأرض إن نزلت بها ... ولكنها تزهي بها وتطيب
وقال آخر:
وقال أناسٌ: لا يضريك نأيها ... يلي كلّ ما شفّ النفوس يضيرها