{وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ}
قرأت فرقة"عشاء"أي وقت العشاء، وقرأ الحسن:"عشى"على مثال دجى، أي جمع عاش، قال أبو الفتح:"عشاة"كماش ومشاة، ولكن حذفت الهاء تخفيفاً كما حذفت من مألكة، وقال عدي:
أبلغ النعمان عني مألكاً ... أنه قد طالب حبسي وانتظاري
قال القاضي أبو محمد: ومعنى ذلك أصابهم عشا من البكاء أو شبه العشا إذ كذلك هي هيئة عين الباكي لأنه يتعاشى، ومثل شريح في امرأة بكت وهي مبطلة ببكاء هؤلاء وقرأ الآية، وروي أن يعقوب لما سمع بكاءهم قال: ما بالكم أجرى في الغنم شيء؟ قالوا: لا، قال فأين يوسف؟ قالوا: {ذهبنا نستبق} ؛ فبكى وصاح وقال: أين قميصه؟ - وسيأتي قصص ذلك.
و {نستبق} معناه: على الأقدام أي نجري غلاباً، وقيل: بالرمي أي ننتضل. وهو نوع من المسابقة، قاله الزجاج.
وقولهم: {وما أنت بمؤمن} أي بمصدق؛ ومعنى الكلام: أي لو كنا موصوفين بالصدق؛ وقيل المعنى: ولو كنت تعتقد ذلك فينا في جميع أقوالنا قديماً لما صدقتنا في هذه النازلة خاصة لما لحقك فيها من الحزن ونالك من المشقة ولما تقدم من تهمتك لنا.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ذكره الزجاج وغيره، ويحتمل أن يكون قولهم: {ولو كنا صادقين} ، بمعنى: وإن كنا صادقين - وقاله المبرد - كأنهم أخبروا عن أنفسهم أنهم صادقون في هذه النازلة فهو تمادٍ منهم في الكذب ويكون بمنزلة قوله: {أو لو كنا كارهين} [الأعراف: 88] بمعنى أو إن كنا كارهين.