ومن لطائف ونكات تفسير القرطبي:
سورة يوسف
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ(3)
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ لِمَ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أَحْسَنَ الْقَصَصِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَقَاصِيصِ؟ فَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَيْسَتْ قِصَّةٌ فِي الْقُرْآنِ تَتَضَمَّنُ مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ مَا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْقِصَّةُ، وَبَيَانُهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهَا: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ) [يوسف: 111] .
وَقِيلَ: سَمَّاهَا أَحْسَنَ الْقَصَصِ لِحُسْنِ مُجَاوَزَةِ يُوسُفَ عَنْ إِخْوَتِهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَاهُمْ، وَعَفْوِهِ عَنْهُمْ - بَعْدَ الِالْتِقَاءِ بِهِمْ - عَنْ ذِكْرِ مَا تَعَاطَوْهُ، وَكَرَمِهِ فِي الْعَفْوِ عَنْهُمْ، حَتَّى قَالَ: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) [يوسف: 92] .
وَقِيلَ: لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْمَلَائِكَةِ وَالشَّيَاطِينِ، وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْأَنْعَامِ وَالطَّيْرِ، وَسِيَرِ الْمُلُوكِ وَالْمَمَالِكِ، وَالتُّجَّارِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْجُهَّالِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَحِيَلِهِنَّ وَمَكْرِهِنَّ، وَفِيهَا ذِكْرُ التَّوْحِيدِ وَالْفِقْهِ وَالسِّيَرِ وَتَعْبِيرُ الرُّؤْيَا، وَالسِّيَاسَةُ وَالْمُعَاشَرَةُ وَتَدْبِيرُ الْمَعَاشِ، وَجُمَلُ الْفَوَائِدِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَقِيلَ لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ الْحَبِيبِ وَالْمَحْبُوبِ وَسِيَرِهِمَا.
وَقِيلَ: (أَحْسَنَ) هُنَا بِمَعْنَى أَعْجَبَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: إِنَّمَا كَانَتْ أَحْسَنَ الْقَصَصِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ فِيهَا كَانَ مَآلُهُ السَّعَادَةَ، انْظُرْ إِلَى يُوسُفَ وَأَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ، وَامْرَأَةِ الْعَزِيزِ، قِيلَ: وَالْمَلِكُ أَيْضًا أَسْلَمَ بِيُوسُفَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَمُسْتَعْبِرُ الرُّؤْيَا السَّاقِي، وَالشَّاهِدُ فِيمَا يُقَالُ: فَمَا كَانَ أَمْرُ الْجَمِيعِ إلا إلى خير.
(قالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ(5)