بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد فإني قد تصفحت أخلاقك، وتدبرت أعراقك، وتأملت شيمك، ووزنتك فعرفت مقدارك، وقومتك فعلمت قيمتك، فوجدتك قد ناهزت الكمال، وأوفيت على التمام، وتوقلت في درج الفضائل، وكدت تكون منقطع القرين، وقاربت أن تلفى عديم النظير، لا يطمع فاضلٌ أن يفوتك، ولا يأنف شريفٌ أن يقصر دونك، ولا يخشع عالمٌ أن يأخذ عنك.
ووجدتك في خلال ذلك على سبيل تضييعٍ وإهمال لأمرين هما القطب الذي عليه مدار الفضائل، فكنت أحق بالعذل، وأقمن بالتأنيب ممن لم يسبق شأوك، ولم يتسنم رتبتك؛ لأنه ليس ملوماً على تضييع القليل من قد أضاع الكثير، ولا يسام إصلاح يومه وتقويم ساعته من قد استحوذ الفساد على دهره، ولا يحاسب على الزلة الواحدة من لا يعدم منه الزلل والعثار، ولا ينكر المنكر على من ليس من أهل المعروف؛ لأن المنكر إذا كثر صار معروفاً، وإذا صار معروفاً صار المنكر المعروف منكرا.
وكيف يعجب ممن أمره كله عجب، وإنما الإنكار والتعجب ممن خرج عن مجرى العادة، وفارق السنة والسجية، كما قال الأول:"خالف تُذكر".
وقيل:"الكامل من عدت سقطاته"، وقيل:"من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه خيراً من غده فهو مفتون، ومن كان غده خيراً من يومه فذلك السعيد المغبوط". وفي هذا المعنى قال الشاعر:
رأيتك أمس خير بني معدٍّ ... وأنت اليوم خيرٌ منك أمس
وأنت غداً تزيد الضعف خيراً ... كذاك تزيد سادة عبد شمس
وقال آخر في معن:
أنت امرؤٌ همك المعالي ... ودلو معروفك الربيع
وأنت من وائلٍ صميمٌ ... كالقلب تُحنى له الضلوع
في كل عام تزيد خيراً ... يشيعه عنك من يشيع
والأمران اللذان نقمتهما عليك: وضع القول في غير موضعه، وإضاعة السر بإذاعته.
وليس الخطر فيما أسومك وأحاول حملك عليه بسهلٍ ولا يسير. وكيف وأنا لا أعرف في دهري - على كثير عدد أهله - رجلاً واحداً ممن ينتحل الخاصة، وينسب إلى العلية، ويطلب الرياسة ويخطب السيادة، ويتحلى