ومن لطائف ونكات تفسير الماوردي:
سورة يوسف
{ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين}
وفي العصبة أربعة أقاويل:
أحدها: أنها ستة أو سبعة , قاله سعيد بن جبير.
الثاني: أنها من عشرة إلى خمسة عشر , قاله مجاهد.
الثالث: من عشرة إلى أربعين , قاله قتادة الرابع: الجماعة , قاله عبد الرحمن بن زيد.
{إن أبانا لفي ضلال مبين}
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لفي خطأ من رأيه , قال ابن زيد.
الثاني: لفي جور من فعله , قال ابن كامل.
الثالث: لفي محبة ظاهرة , حكاه ابن جرير. وإنما جعلوه في ضلال مبين لثلاثة أوجه:
أحدها: لأنه فضّل الصغير على الكبير.
الثاني: القليل على الكثير.
الثالث: من لا يراعي ما له على من يراعيه. واختلف فيهم هل كانوا حينئذ بالغين؟ فذهب قوم إلى أنهم كانوا بالغين مؤمنين ولم يكونوا أنبياء بعد لأنهم قالوا {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين} وهذه
قوله عز وجل: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى بُرهان ربه}
أما همها به ففيه قولان: أحدهما: أنه كان هَمَّ شهوة.
الثاني: أنها استلقت له وتهيأت لمواقعته. وأما همّه بها ففيه ستة أقاويل:
أحدها: أنه همّ بها أن يضربها حين راودته عن نفسه ولم يهم بمواقعتها قاله بعض المتأخرين.
الثاني: أن قوله ولقد همت به كلام تام قد انتهى , ثم ابتدأ الخبر عن يوسف فقال {وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} ومعنى الكلام لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها , قاله قطرب.
الثالث: أن همها كان شهوة , وهمه كان عفة. الرابع: أن همه بها لم يكن عزماً وإرادة وإنما كان تمثيلاً بين الفعل والترك , ولا حرج في حديث النفس إذا لم يقترن به عزم ولا فعل , وأصل الهم حديث النفس حتى يظهر فيصير فعلاً , ومنه قول جميل:
(هممت بهمِّ من بثينة لو بدا ... شفيت غليلات الهوى من فؤاديا)
الخامس: أنه همه كان حركة الطباع التي في قلوب الرجال من شهوة النساء وإن كان قاهراً له وهو معنى قول الحسن.
السادس: أنه هم بمواقعتها وعزم عليه. قال ابن عباس: وحل الهميان.
يعني السراويل وجلس بين رجليها مجلس الرجل من المرأة , وهو قول جمهور المفسرين.
«فإن قيل» : فكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا الفعل وهو نبي الله عز وجل؟
قيل: هي منه معصية , وفي معاصي الأنبياء ثلاثة أوجه:
أحدها: أن كل نبي ابتلاه الله بخطيئة إنما ابتلاه ليكون من الله تعالى على وجل إذا ذكرها فيجدّ في طاعته إشفاقاً منها ولا يتكل على سعة عفوه ورحمته.