ومن لطائف ونكات تفسير الطبري:
سورة يوسف
{وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبَرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ قِيلَ: {بِدَمٍ كَذِبٍ} وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ كَانَ دَمًا لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ دَمَ يُوسُفَ؟
قِيلَ. فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قِيلَ {بِدَمٍ كَذِبٍ} لِأَنَّهُ كَذَبَ فِيهِ كَمَا يُقَالُ: اللَّيْلَةَ الْهِلَالُ، وَكَمَا قِيلَ: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} وَذَلِكَ قَوْلٌ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُهُ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَتَأْوِيلُهُ: وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ مَكْذُوبٌ، كَمَا يُقَالُ: مَا لَهُ عَقْلٌ وَلَا مَعْقُولٌ، وَلَا لَهُ جَلْدٌ وَلَا لَهُ مَجْلُودٌ. وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، تَضَعُ مَفْعُولًا فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ، وَالْمَصْدَرُ فِي مَوْضِعِ مَفْعُولِ، كَمَا قَالَ الرَّاعِي:
[البحر الكامل]
حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظَامِهِ ... لَحْمًا وَلَا لِفُؤَادِهِ مَعْقُولَا
وَذَلِكَ كَانَ يَقُولُهُ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ.
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) }
عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ:"شَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ هَمِّ يُوسُفَ مَا بَلَغَ؟ قَالَ: حَلَّ الْهِمْيَانَ، وَجَلَسَ مِنْهَا مَجْلِسَ الْخَاتنِ"
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ يُوسُفُ بِمِثْلِ هَذَا وَهُوَ لِلَّهِ نَبِيُّ؟