قِيلَ: إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ مِمَّنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِخَطِيئَةٍ، فَإِنَّمَا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِهَا لِيَكُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى وَجَلٍ إِذَا ذَكَرَهَا، فَيَجِدُ فِي طَاعَتِهِ إِشْفَاقًا مِنْهَا، وَلَا يَتَّكِلُ عَلَى سَعَةِ عَفُوِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِيُعَرِّفَهُمْ مَوْضِعَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، بِصَفْحِهِ عَنْهُمْ وَتَرْكِهِ عُقُوبَتَهُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ ابْتَلَاهُمْ بِذَلِكَ لِيَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الذُّنُوبِ فِي رَجَاءِ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَتَرْكِ الْإِيَاسِ مِنْ عَفْوِهِ عَنْهُمْ إِذَا تَابُوا.
وَأَمَّا آخَرُونَ مِمَّنْ خَالَفَ أَقْوَالَ السَّلَفِ وَتَأَوَّلُوا الْقُرْآنَ بِآرَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَلَقَدْ هَمَّتِ الْمَرْأَةُ بِيُوسُفَ، وَهَمَّ بِهَا يُوسُفُ أَنْ يَضْرِبَهَا أَوْ يَنَالَهَا بِمَكْرُوهٍ لِهَمِّهَا بِهِ مَا أَرَادَتُهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ، لَوْلَا أَنَّ يُوسُفَ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، وَكَفَّهُ ذَلِكَ عَمَّا هَمَّ بِهِ مِنْ أَذَاهَا، لَا أَنَّهَا ارْتَدَعَتْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهَا. قَالُوا: وَالشَّاهِدُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} [يوسف: 24] قَالُوا: فَالسُّوءُ: هُوَ مَا كَانَ هَمَّ بِهِ مِنْ أَذَاهَا، وَهُوَ غَيْرُ الْفَحْشَاءِ.