وقال المؤيد بالله:
سورة يوسف
(قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ(11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)
فانظر إلى ما أخبروا به عن أنفسهم في قولهم: (لَناصِحُونَ) و (لَحافِظُونَ)
كيف ورد بالجملة الاسمية المؤكدة بإن، وما كان عن غيرهم كقوله: (ما لَكَ لا تَأْمَنَّا) ، وقوله: (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) ، وهذا فيه دلالة على ما ذكرناه من الاختصاص والتحقيق والثبوت.
(وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(18)
ومن المواضع التي تحتمل أن يكون المحذوف فيها، إما المبتدأ، وإما الخبر قوله تعالى: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)
فيحتمل أن يكون المبتدأ محذوفا، وتقديره فأمري صبر جميل، ويحتمل أن يكون من باب حذف الخبر، وتقديره فصبر جميل أجمل، وحذف الخبر وإن كان واردا على جهة الكثرة، لكن حذف المبتدأ ههنا يكون أبلغ، لأن الآية وردت في شأن «يعقوب» فلابد من أن يكون هناك اختصاص به، فإذا كان تقديره فأمري صبر جميل كان أخص به وأدخل في احتماله للصبر واختصاصه به
(وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ(31)
(ما هذا بَشَراً) ثم قال إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ)
فقوله: (إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) سيق من أجل رفع الوهم بالجملة الأولى، غير أن تكون على ظاهرها من الدلالة على الإغراق في مدحه.
(فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ(32)
ومما ورد على جهة الإشارة في البعد قوله تعالى: (فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) ولم يقل: هذا يوسف، ولا قال: فذاك، على جهة القرب والتوسط، وإنما أشار إليه بما يقتضي البعد، رفعا لمنزلته في الحسن، واستبعادا عن أن يدانى فيه، وتنبيها على كونه مستحقا لأن يحب ويفتتن به، ومن قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(72) [سورة الزخرف: 72] ولطائف هذا الجنس لا تكاد تنحصر، ومواقعه أكثر من أن تحصى.
(قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ(73)