(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
الموسم الثاني وهو من زمن البلوغ إلى منتهى الشباب
وهذا هو الموسم الأعظم الذي يقع فيه جهاد النفس والهوى وغلبة الشيطان.
وبصيانة هذا الموسم يحصل القرب من الله عز وجل، وبالتفريط فيه يقع الخسران العظيم، وبالصبر فيه عن الزلل يثنى على الصابرين، كما أثنى الله فيه على الصابر يوسف الصديق؛ إذ لو زل مَن كأن يكون؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( عجب ربك من شابٍ ليست له صبوةٌ ) ).
ويقول الله عز وجل: (( أيها الشاب التارك شهوته من أجلي! أنت عندي كبعض ملائكتي ) ) [[1] ].
(فصل عاقبة الصبر ونهاية الهوى)
قرأت سورة يوسف عليه السلام، فتعجبت من مدحه عليه السلام على صبره وشرح قصته للناس ورفع قدره بترك ما ترك.
فتأملت خبيئة الأمر فإذا هي مخالفة للهوى المكروه.
فقلت: واعجباً لو وافق هواه من كأن يكون؟.
ولما خالفه لقد صار أمراً عظيماً تضرب الأمثال بصبره، ويفتخر على الخلق باجتهاده.
وكل ذلك قد كان بصبر ساعة فيا له عزاً وفخراً، أن تملك نفسك ساعة الصبر عن المحبوب وهو قريب.
وبالعكس منه حالة آدم في موافقته هواه، لقد عادت نقيصة في حقه أبداً لولا التدارك فتاب عليه.
فتلمحوا رحمكم الله عاقبة الصبر ونهاية الهوى.
فالعاقل من ميز بين الأمرين. الحلوين والمرين.
فإن من عدل ميزانه ولم تمل به كفة الهوى رأى كل الأرباح في الصبر، وكل الخسران في موافقة النفس.
وكفى بهذا موعظة في مخالفة الهوى لأهل النهي والله الموفق.
(فصل)
نازعتني نفسي إلى أمر مكروه في الشرع، وجعلت تنصب لي التأويلات وتدفع الكراهة، وكانت تأويلاتها فاسدة، والحجة ظاهرة على الكراهة.
فلجأت إلى الله تعالى في دفع ذلك عن قلبي، وأقبلت على القراءة وكان درسي قد بلغ إلى سورة يوسف فاتحتها، وذلك الخاطر قد شغل قلبي حتى لا أدري ما أقرأ، فلما بلغت إلى قوله تعالى: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} انتبهت لها وكأني خوطبت بها.
فأفقت من تلك السكرة، فقلت: يا نفس أفهمت؟.
هذا حر بيع ظلماً فراعى حق من أحسن إليه، وسماه مالكاً وإن لم يكن له عليه ملك، فقال: إنه ربي [[1] ].
ثم زاد في بيان موجب كف كفه عما يؤذيه فقال: أحسن مثواي.
فكيف بك وأنت عبد على الحقيقة لمولى ما زال يحسن إليك من ساعة وجودك.
وإن ستره عليك الزلل أكثر من عدد الحصا.