قال نظام الدين النيسابوري:
التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة. {فقال لامرأته} وهي الدنيا {أكرمي مثواه} اخدميه بقدر الحاجة الضرورية {عسى أن ينفعنا} حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة {أو نتخذه ولداً} نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية {وكذلك مكنا} يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض {والله غالب على} أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال {وكذلك نجزي المحسنين} أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة. {وراودته} فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي {وغلقت} أبواب أركان الشريعة {وقالت هيت لك} أقبل إلى وأعرض عن الحق {قال} أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه {معاذ الله} عما سواه. {أحسن مثواي} في عالم الحقيقة {إنه لا يفلح الظالمون} الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى {وهمّ بها} فوق الحاجة الضرورية {لولا أن رأى برهان ربه} وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية {لنصرف عنه السوء} الحرص على الدنيا {والفحشاء} بصرف حب الدنيا فيه {إنه من عبادنا المخلصين} الذي خلصوا