(فصل: من بليغ مليح الغزل)
قال أسامة بن منقذ:
قول الأقرع بن معاذ القشيريّ:
سلام على من لا يملّ كلامه ... وإن عاشرته النّفس عصرا إلى عصر
فما الشّمس وافت يوم دجن فأشرقت ... ولا البدر وافى أسعدا ليلة البدر
بأحسن منها، أو تزيد ملاحة ... على ذاك، أو راءى المحبّ؟ فما أدري!
وقول ابن الملوّح:
كأنّ على أنيابها الخمر شابها ... بماء النّدى من آخر اللّيل عابق
وما ذقته إلّا بعيني تفرّسا ... كما شيم من أعلى السّحابة بارق
يضمّ عليّ اللّيل أوصال حبّكم ... كما ضمّ أزرار القميص البنائق
وماذا عسى الواشون أن يتحدّثوا ... سوى أن يقولوا: إنّني لك عاشق
أجل، صدق الواشون، أنت حبيبة ... إليّ وإن لم تصف منك الخلائق
وقال مضرّس بن قرط بن حارث المزنيّ:
تكذّبني بالودّ سعدى فليتها ... تحمّل منّي مثله فتذوق
ولو تغلمين العلم أيقنت أنّني ... لكم والهدايا المشعرات صديق
أذود سواد العين عنك وماله ... إلى أحد إلّا إليك طريق
أهمّ بصرم الحبل ثمّ يردّني ... إليك من النّفس الشّعاع فريق
وكادت بلاد الله يا أمّ مالك ... بما رحبت يوما عليّ تضيق
تتوق إليك النّفس ثمّ أردّها ... حياء، ومثلي بالحياء حقيق
وقال أبو صخر الهذليّ:
أما والّذي أبكى وأضحك والّذي ... أمات وأحيا والّذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذّعر
عجبت لسعي الدّهر بيني وبينها ... فلمّا انقضى ما بيننا سكن الدّهر
فيا حبّها زدني جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر
وإنّي لتعروني لذكراك روعة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر
وإنّي لآتيها أريد عتابها ... وأوعدها بالهجر ما برق الفجر
فما هو إلّا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر
وأنسى الّذي قد كنت فيه أتيتها ... كما قد تنسّي لبّ شاربها الخمر
ويمنعني من بعض إنكار ظلمها * إذا ظلمت يوما وإن كان لي عذر:
مخافة أنّى قد علمت لئن بدا ... لي الهجر منها ما على هجرها صبر
وأنّي لا أدري إذا النّفس أشرفت ... على هجرها ما يصنعنّ بي الهجر
وقال آخر:
أمزمعة للبين ليلى ولم تمت؟ ... كأنّك عمّا قد أظلّك غافل!
ستعلم إن زالت بهم غربة النّوى ... وزالوا بليلى أنّ لبّك زائل
وأنّك مسلوب التّصبّر والأسى ... إذا بعدت ممّن تحبّ المنازل
وقال آخر:
يقرّ بعيني أن أرى من بلادها ... ذرى عقدات الأجرع المتقاود