(فصل)
قال أبو القاسم المرتضى:
إن سأل سائل عن قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)
فقال هل يسوغ ما تأول بعضهم هذه الآية عليه من أن يوسف عليه السلام عزم على المعصية وأرادها وأنه جلس مجلس الرجل من المرأة ثم انصرف عن ذلك بأن رأى صورة أبيه يعقوب عاضا على إصبعه متوعدا له على مواقعة المعصية أو بأن نودى له بالنهي والزجر في الحال على ما ورد به الحديث .. ؟
الجواب قلنا إذا ثبت بأدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات إن المعاصي لا تجوز على الأنبياء عليهم السلام صرفنا كل ما ورد ظاهره بخلاف ذلك من كتاب أو سنة إلى ما يطابق الأدلة ويوافقها كما يفعل مثل ذلك فيما يرد ظاهره مخالفا لما تدل عليه العقول من صفاته تعالى وما يجوز عليه أو لا يجوز ولهذه الآية وجوه من التأويل كل واحد منها يقتضي براءة نبي الله من العزم على فاحشة وإرادة المعصية ..
أولها: إن الهم في ظاهر الآية متعلق بما لا يصح أن يعلق به العزم أو الإرادة على الحقيقة لأنه تعالى قال (ولقد همت به وهم بها) فعلق الهم بهما وذاتا هما لا يجوز أن يراد أو يعزم عليهما لأن الموجود الباقي لا يصح ذلك فيه فلا بد من تقدير محذوف يتعلق العزم به وقد يمكن أن يكون ما تعلق به همه عليه السلام إنما هو ضربها أو دفعها عن نفسه كما يقول القائل كنت هممت بفلان وقد هم فلان بفلان أي بأن يوقع به ضربا أو مكروها ..
فإن قيل فأى معنى لقوله تعالى (لولا أن رأى برهان ربه) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها ..
قلنا يمكن أن يكون الوجه في ذلك إنه لما هم بدفعها وضربها أراه الله برهانا على إنه إن أقدم على ما هم به أهلكه أهلها أي قتلوه أو أنها تدعي عليه المراودة عن القبيح وتقذفه بأنه دعاها إليه وإن ضربه لها كان لامتناعها فيظن به ذلك من لا تأمل له ولا علم بأن مثله لا يجوز عليه فأخبر الله تعالى بأنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء يعني بذلك القتل والمكروه الذين كانا يوقعان به لأنهما يستحقان الوصف بذلك من حيث القبح أو يعني بالسوء والفحشاء ظنهم بذلك ..