قوله - جلَّ جلالُه: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)
و (في) حرف؛ أي: عبرة للسائلين، يريد وهو أعلم للطالبين العلم والباحثين عنه، فكان فيهم
وفيما عراهم من أمورهم آيات بينات على علم الله - جلَّ جلالُه -، وتقديره بالتقدير في
الموجودات قبل وجودها، واستياقه المقدورات إلى حقيقة ما قدره في الأزل لا
يتعداها ولا يقصر دونها، وعلى لطفه في ذلك وخيره وجليل حكمته وكريم رحمته
بمن شاء ذلك، وعلى أنه لا ييأس من رحمته الكافر ولا يأمن مكروه النَّبي الطائع،
إلى غير ذلك مما يبدو في تصفحها، أعني: النبوة من أولها إلى آخرها، ولما أن حان
من بني إسرائيل الاغتراب الذي أنذر الله جل ثناؤه به خليله إبراهيم - عليه السَّلام - حرك بني
يعقوب إلى ما قصه الله - جلَّ جلالُه - علينا في كتابه.
قوله جل ثناؤه: (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ) يعنون بيامين أخا ليوسف من أبيه
وأمه خالة يوسف عليهم السلام (أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ)
العصبة من الرجال: العشرة، لا يقال فيما دون العشرة: عصبة، لكن رهط إلى سبعة
ولا يقال لثلاثة: رهط، لكن نفر، والجماعة يقال لكل حملة من في أو رجال، فإذا
كانوا متقطعين بعضهم من بعض فهم عصب وعصائب.
(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ(9)
أي: تتوبون من ذنبه الذي ارتكبتموه من أجله وتكونوا
صالحين بالتوبة إلى الله - جلَّ جلالُه -.
كان ما قصَّه الله - جلَّ جلالُه - من قصصهم إلى قوله: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(18) .
قد كان سبق العلم إلى يعقوب - عليه السَّلام - بما علمه الله - جلَّ جلالُه - من علم النبوة، وربما تأكد من قربه عنده من رؤيا
يوسف - عليه السَّلام -؛ وتأويلها أنه ليتم الله - جلَّ جلالُه - نعمته عليه ويبلغ به، وإنه يظهره الله - جلَّ جلالُه - عليهم