ثم نادى {يا صاحبي السجن}
ثانية لتجتمع أنفسهما لسماع الجواب، فروي أنه قال لنبو: أما أنت فتعود إلى مرتبتك وسقاية ربك، وقال لمجلث: أما أنت فتصلب، وذلك كله بعد ثلاث، فروي أنهما قالا له ما رأينا شيئاً وإنما تحالمنا لنجربك؛ وروي أنه لم يقل ذلك إلا الذي حدثه بالصلب؛ وقيل: كانا رأيا ثم أنكرا.
وقرأت فرقة:"يَسقي ربه"من سقى، وقرأت فرقة من أسقى، وهما لمعنى واحد لغتان وقرأ عكرمة والجحدري:"فيُسقَى ربه خمراً"بضم الياء وفتح القاف أي ما يرويه.
وأخبرهما يوسف عليه السلام عن غيب علمه من قبل الله تعالى: إن الأمر قد قضي ووافق القدر.
وقوله: {وقال للذي ظن أنه ناج} الآية."الظن"هاهنا - بمعنى اليقين، لأن ما تقدم من قوله: {قضي الأمر} يلزم ذلك، وهو يقين فيما لم يخرج بعد إلى الوجود: وقال قتادة:"الظن"- هنا - على بابه لأن عبارة الرؤيا ظن.
قال القاضي أبو محمد: وقول يوسف عليه السلام: {قضي الأمر} دل على وحي ولا يترتب قول قتادة إلا بأن يكون معنى قوله {قضي الأمر} أي قضي كلامي وقلت ما عندي وتم، والله أعلم بما يكون بعد.
وفي الآية تأويل آخر، وهو: أن يكون {ظن} مسنداً إلى الذي قيل له: إنه يسقي ربه خمراً، لأنه دخلته أبهة السرور بما بشر به وصار في رتبة من يؤمل حين ظن وغلب على معتقده أنه ناج: وذلك بخلاف ما نزل بالآخر المعرف بالصلب.
ومعنى الآية: قال يوسف لساقي الملك حين علم أنه سيعود إلى حالته الأولى مع الملك: {اذكرني} عند الملك، فيحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل أن يذكره بمظلمته وما امتحن به بغير حق، أو يذكره بهما.