[من روائع الأبحاث]
(فصل: في الرد على بعض الشبهات)
(الكلام المنقول عن غيره دعوى أن القرآن مقتبس من التوراة)
الشبهة التي تمسكوا بها وُرُودُ مواضع بينها تشابه في كل من التوراة والقرآن الكريم. ومن أبرزها الجانب القصصى. وبعض المواضع التشريعية تمسكوا بها، وقالوا: إن القرآن مقتبس من التوراة، وبعضهم يضيف إلى هذا أن القرآن اقتبس مواضع أخرى من"الأناجيل".
* الرد على هذه الشبهة:
كيف يتحقق الاقتباس عموماً؟
الاقتباس عملية فكرية لها ثلاثة أركان:
الأول: الشخص المُقتَبَس منه.
الثاني: الشخص المُقتَبِس (اسم فاعل) .
الثالث: المادة المُقتَبَسَة نفسها (اسم مفعول) .
والشخص المقُتَبَس منه سابق إلى الفكرة، التي هي موضوع الاقتباس، أما المادة المقُتَبَسَة فلها طريقتان عند الشخص المُقِتَبس، إحداهما: أن يأخذ المقتبس الفكرة بلفظها ومعناها كلها أو بعضها. والثانية: أن يأخذها بمعناها كلها أو بعضها كذلك ويعبر عنها بكلام من عنده.
والمقتبس في عملية الاقتباس أسير المقتبس منه قطعاً ودائر في فلكه؛ إذ لا طريق له إلى معرفة ما اقتبس إلا ما ذكره المقتبس منه. فهو أصل، والمقتبس فرع لا محالة.
وعلى هذا فإن المقتبس لابد له وهو يزاول عملية الاقتباس من موقفين لا ثالث لهما:
أحدهما: أن يأخذ الفكرة كلها بلفظها ومعناها أو بمعناها فقط.
وثانيهما: أن يأخذ جزءً من الفكرة باللفظ والمعنى أو بالمعنى فقط.
ويمتنع على المقتبس أن يزيد في الفكرة المقتبسة أية زيادة غير موجودة في الأصل؛ لأننا قلنا: إن المقتبس لا طريق له لمعرفة ما اقتبس إلا ما ورد عند المقتبس منه، فكيف يزيد على الفكرة والحال أنه لا صلة له بمصادرها الأولى إلا عن طريق المقتبس منه.
إذا جرى الاقتباس على هذا النهج صدقت دعوى من يقول إن فلاناً اقتبس منى كذا.
أما إذا تشابه ما كتبه اثنان، أحدهما سابق والثاني لاحق، واختلف ما كتبه الثاني عما كتبه الأول مثل:
1 -أن تكون الفكرة عند الثاني أبسط وأحكم ووجدنا فيها مالم نجده عند الأول.
2 -أو أن يصحح الثاني أخطاء وردت عند الأول، أو يعرض الوقائع عرضاً يختلف عن سابقه.
في هذه الحال لا تصدق دعوى من يقول إن فلانا قد اقتبس منى كذا.