(باب كتمان السّر وإفشائه)
قال ابن عبد البر:
قال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله رضي الله عنهما: يا بني إن أمير المؤمنين يدنيك - يعني عمر بن الخطاب - فاحفظ عنى ثلاثاً: لا تفشينّ له سراً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا يطّلعنّ منك على كذبة.
قال أكثم بن صيفي: إن سرّك من دمك، فانظر أين تريقه.
كان يقال: احفظوا أسراركم كما تحفظون أبصاركم وكان يقال: أكثر ما يتم به التدبير الكتمان.
قال قيس بن الخطيم:
أجود بمضمون التّلاد وإنّنى ... بسرّك عمنّ سالنى لضنين
وإن ضيّع الإخوان سراً فإنّنى ... كتومٌ لأسرار الخليل أمين
يكون له عندي إذا ما ائتمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
إذا جاوز الإثنين سرٌّ فإنّه ... بنشرٍ وإفشاء الحديث قمين
وفي مثل هذا: إن السرّ لا يسمّى سرّاً حتى يسره رجلٌ واحد إلى رجل آخر.
قال الصّلتان العبدي:
وسرّك ما كان عند امرئ ... وسرّ الثّلاثة غير الخفي
وقال سابق:
فلا تخبر بسرِّك، كلُّ سرًّ ... إذا ما جاوز الإثنين فاشي
وقال آخر:
لكلَّ امرئ يا أمّ عمرو طبيعةٌ ... وتفضيل ما بين الرّجال الطّبائع
فلا يسمعن سرّى وسرّك ثالثٌ ... ألا كلّ سرًّ جاوز اثنين ضائع
وكيف يشيع القلب سرّاً وفوقه ... حجابٌ وما فوق الحجابٌ الأضالع
وذهبت طائفة إلى أن السرَّ ما أسررته في نفسك، ولم تبده إلى أحد.
قال عمرو بن العاص: ما استودعت رجلا سرّاً فأفشاه فلمته، لأنى كنت به أضيق صدراً حين استودعته إياه.
وإلى هذا ذهب القائل حيث قال:
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فعدر الّذى يستودع السّرّ أضيق
وأنشد الأصمعى قال: أنشدني أعرابي:
لا أكتم الأسرار لكن أبثّها ... ولا أدع الأسرار تقتلني غمّا
وإنّ سخيف الرّأى من بات ليله ... حريباً بكتمان كأنّ به حمّى
وفي بثّك الأسرار للقلب راحةٌ ... وتكشف بالإنشاء عن قلبك الهمّا
وقال سحيم الفقعسيّ:
لا أكتم الأسرار لكن أذيعها ... ولا أدع الأسرار تغلى على قلبي
وإنّ ضعيف العقل من بات ليله ... تقلّبه الأسرار جنباً إلى جنب
ومثله قول الآخر:
لا تفشين سرّك إّلا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحاً
فإّنى رأيت غواة الرّجال ... لا يتركون أديماً صحيحاً
وقال رجل من بني سعد:
إذا ما ضاق صدرك عن حديثٍ ... فأفشته الرّجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثى ... وسرّى عنده فأنا الظّلوم
وإنّى حين أسأم حمل سرّى ... وقد ضمّنته صدري سؤوم