(فصل: من بديع لغة التنزيل)
قال السامرائي:
سورة «يوسف»
1 -قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [الآية 3] .
قال الزمخشري:
القصص على وجهين: يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص، وتقول: قصّ الحديث يقصّه قصصا، كقولك شلّه يشلّه شللا، إذا طرده، ويكون «فعلا» بمعنى «مفعول» ، كالنّفض والحسب.
ونحوه النّبأ والخبر: في معنى المنبأ به والمخبر به.
ويجوز أن يكون من تسمية المفعول بالمصدر، كالخلق والصّيد.
وإن أريد المصدر فمعناه: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ، أي: بإيحائنا إليك هذه السورة، والمقصوص محذوف لأنّ قوله تعالى: (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ مغن عنه.
ويجوز أن ينتصب «هذا القرآن» ب «نقصّ» ، كأنه قيل: نحن نقصّ عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بايحائنا إليك.
والمراد بأحسن الاقتصاص: أنه اقتصّ على أبدع طريقة وأعجب أسلوب. ألا ترى أنّ هذا الحديث مقتصّ في كتب الأوّلين، وفي كتب التواريخ، ولا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقاربا لاقتصاصه في القرآن؟
وإن أريد بالقصص المقصوص، فمعناه: نحن نقصّ عليك أحسن ما يقصّ من الأحاديث.
واشتقاق «القصص» من قولهم: قصّ أثره إذا أتبعه، لأن الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه، شيئا فشيئا.
والقصّة الخبر، وهو القصص، وقصّ عليّ خبره، والخبر هو المقصوص.
والقصّة: الأمر والحديث، واقتصصت الحديث: رويته على وجهه.
والقصّ: البيان، والقصص الاسم.
والقاصّ: الذي يأتي بالقصّة على وجهها، كأنّه يتتبّع معانيها وألفاظها.
والقصص: جمع القصّة، (بالكسر) التي تكتب.
أقول: ولما كانت القصة الخبر، أو الأمر يقصه صاحبه أو يكتبه، توصّل المعربون في العصر العباسيّ إلى أن تكون القصّة لديهم ما يكتبه صاحب الحاجة، على رقعة يقدّمها إلى الخليفة، أو الأمير، أو صاحب المظالم وغيرهم من أولي الأمر، يطلب فيها حقا له اغتصب مثلا، أو ظلامة أخرى لحقته. وهذه الرقعة دعيت قصّة، فكان صاحب الأمر ينظر في جلسة خاصة، أو يوم مخصوص في القصص بين يديه، ويوقّع فيها الجواب.
ويحسن بنا أن نقول: إن المعاصرين قد اصطلحوا على القصّة الجديدة، فاتّخذوها مقابلا ل عند الإفرنج، وهي نمط أدبيّ شاع في عصرنا الحاضر، منذ أواخر القرن الماضي، تقليدا ومحاكاة لما عند الغربيين من هذا الفن.