بالأدب ويديم الثخانة والزماتة، والحلم والفخامة، أرضى ضبطه للسانه، وأحمد حياطته لسره. وذلك أنه لا شيء أصعب من مكابدة الطبائع، ومغالبة الأهواء؛ فإن الدولة لم تزل للهوى على الرأي طول الدهر. والهوى هو الداعية إلى إذاعة السر، وإطلاق اللسان بفضل القول.
وإنما سُمِّي العقل عقلاً وحجراً، قال تعالى -"هل في ذلك قسمٌ لذي حجر"- لأنه يزم اللسان ويخطمه، ويشكله ويربثه، ويقيد الفضل ويعقله عن أن يمضي فُرطاً في سبيل الجهل والخطأ والمضرة، كما يُعقل البعير، ويحجر على اليتيم.
وإنما اللسان ترجمان القلب، والقلب خزانة مستحفظة للخواطر والأسرار، وكل ما يعيه من ذلك عن الحواس من خير وشر، وما تولده الشهوات والأهواء، وتنتجه الحكمة والعلم.
ومن شأن الصدر - على أنه ليس وعاء للأجرام، وإنما يعي بقدرةٍ من الله لا يعرف العباد كيف هي - أن يضيق بما فيه، ويستثقل ما حمل
منه، فيستريح إلى نبذه، ويلذ إلقاءه على اللسان. ثم لا يكاد أن يشفيه أن يخاطب به نفسه في خلواته حتى يفضي به إلى غيره ممن لا يرعاه ولا يحوطه. كل ذلك ما دام الهوى مستولياً على اللسان، واستعمل فضول النظر فدعت إلى فضول القول.
فإذا قهر الرأي الهوى فاستولى على اللسان، منعه من تلك العادة، ورده عن تلك الدربة، وجشمه مؤونة الصبر على ستر الحلم والحكمة.
ولا شيء أعجب من أن المنطق أحد مواهب الله العظام، ونعمه الجسام، وأن صاحبها مسؤولٌ عنها، ومحاسب على ما خوِّل منها، أوجب الله عليه استعمالها في ذكره وطاعته، والقيام بقسطه وحجته، ووضعها مواضع النفع في الدين والدنيا، والإنفاق منها بالمعروف لفظةً ولفظة، وصرفها عن أضدادها.
فلم يرض الإنسان أن عطلها عما خُلقت له مما ينفعه حتى استعملها في ضد ذلك مما يضرُّه، فاجتمع عليه الإثمان اللذان اجتمعا على صاحب المال الذي كنزه ومنعه من حقه، فوجب عليه إثم المنع وإن كان لم يصرفه في معصية، ثم صرفه في أبواب الباطل والفسق فوجب عليه إثم الإنفاق فيها. وهذه غاية الغبن والخسران. نعوذ بالله منها.