قوله تعالى: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ...(67) .
خشي يعقوب أن يعاينوا فأمرهم بالتفرق على الأبواب، ليدخلوا في المعهود وعامة الناس.
يقول الله جل من قائل: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ...(68) .
كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطيرة ونهى عنها ونهى عن اعتقاد العدوى وقال:"وفر من"
المجزوم فرارك من الأسد"وقال: قد نهى عن التطير، ثم قال:"وما منا إلا
وخزل من الكلام شيئا، ثُمَّ قال:"ولكن اللَّه يذهبه بالتوكل"وقال:"وإذا تطيرت"
فلا ترجع"."
فهذا التردد هو الذي حمل يعقوب على أمره إياهم بالتفرق على الأبواب في
الدخول والحذر عليهم؛ ولعلمه بأن الله هو المنفرد بحكمه قال: (وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ
مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)
ولوجود هذا التوحيد في قلبه أثنى الله عليه بالعلم الذي وضعه
وصفه به في قوله: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) والعلم الذي أضافه إليه هو
العلم اللدني علم التوحيد الأعلى والعمل به (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(68)
يعني: ذلك العلم.
وقد حذره يعقوب بقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُتَوَكِّلُونَ (67) . وفي هذا من المعنى ما تقدم ذكره الأخذ بالحذر وإن
كان لا يغني عن القدر وإن من العلم به التحرز منه والتسليم لله والتوكل عليه،
ومنه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اعقلها وتوكل"وفي هذا من الفقه ما تقدم ذكره الأخذ
بالحزم وإن كان لا يغني من القدر، وإن مثل هذا لا يذهب بالتوكل إذا كان الآخذ
به ذاكرًا لله - عز وجل - وحده، وإن الحكم كله دون لله وحده دون من سواه،