{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ} أي: على يوسف بعد ما رجعوا من مصر، ولانفهامه من المقام طوى ذكره إيجازاً: {قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ} أي: الملك القادر المتمنع: {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} أي: الشدة من الجدب: {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} أي: بدراهم قليلة في مقابلة ما نمتاره. استقلوا الثمن واستحقروه؛ اتضاعاً لهيبة الملك، واستجلاباً لرأفته وحنانه. وأصل معنى (التزجية) : الدفع والرمي، فكنوا به عن القليل الذي يدفع؛ رغبة عنه، لذلك: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْل} أي: أتممه ووفره بهذه الدراهم المزجاة، كما توفره بالدراهم الجياد: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} أي: برد أخينا، أو بالإيفاء، أو بالمسامحة وقبول ما لا يعد عوضاً: {إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} أي: يثيبهم أحسن المثوبة.
تنبيهات:
الأول: في الآية إرشاد إلى أدب جليل، وهو تقديم الوسائل أمام المآرب، فإنها أنجح لها. وهكذا فعل هؤلاء: قدموا ما ذكر من رقة الحال، والتمسكن وتصغير العوض، ولم يفجؤوه بحاجتهم؛ ليكون ذريعة إلى إسعاف مرامهم، ببعث الشفقة، وهز العطف والرأفة، وتحريك سلسلة الرحمة - كما قدمنا - ومن ثم رق لهم، وملكته الرحمة عليهم، فلم يتمالك أن عرَّفهم نفسه، - كما يأتي -.
الثاني: يؤخذ من الآية جواز شكوى الحاجة لمن يرجى منه إزالتها.
الثالث: استدل بعضهم بقوله تعالى: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} على أن أجرة الكيال على البائع؛ لأنه إذا كان عليه توفية الكيل، فعليه مؤنته، وما يتم به.
الرابع: استدل بقوله تعالى: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} من قال: إن الصدقة لم تكن محرمة على الأنبياء - كذا في"الإكليل"- وهذا بعد تسليم نبوة إخوة يوسف. وفيها خلاف. وسيأتي في التنبيهات، آخر السورة، تحقيق ذلك.