(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ(102)
يقول الله جل ثناؤه لرسوله - عليه السلام: (ذَلِكَ ...(102) . أي: ما قصصناه عليك من
قصصه(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ
يَمْكُرُونَ). فلولا أنا أعلمناك به لما أوحيناه إليك وهو خطاب صرفه
إلى شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - هذا كل قوله في صدر السورة: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) .
أي: عن العلم بقصصهم، صرف بهذا الخطاب إلى ذكر العرب وتحقيق نبوته
ورسالته.
ثُمَّ قال عز من قائل: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ ...(103) . على إيمانه ما أكثرهم
(بِمُؤْمِنِينَ) وإن هم أسلموا وأظهروا ذلك، بل الغفلة تصحبهم
والخلاف يأتي على أكثرهم إلا من أتم الله عليه نعمته بعلمه بما عبر عنه قوله الحق:
(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(13) . دل على هذا قوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ
إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) . فكان الوجود على ذلك من جملة الأمة ما
يشاهد الآن فشرك أكبر وشرك أصغر، وإيمان قليل يوزن بالمثقال والذرة والخردلة
وما هو أدنى وأدنى وأدنى.
هذه السورة مكية، ولا مرية يومئذٍ في أن أكثر الناس ليسوا بمؤمنين، ولم يكن
عز جلاله ليعلمه لما كان يهتم لأجله ويحزن له، لأنه كان يحزن لتأخرهم ويهمه
خلافهم، وإنما معناه والله أعلم؛ فإن دخلوا في الإيمان وكان منهم ما أنت حريص
عليه فما أكثرهم في حال إيمانهم بمؤمنين، بل الغفلة تصحبهم والخلاف يأتي على
أكثرهم إلا من أتم الله نعمته عليه، دل على هذا قوله جلَّ قوله:(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ
بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)وقول من قال: إنها نزلت في مشركي
العرب، كانوا [يهلون] بالحج فيقولون في ذلك:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك"